الأسمدة بين المدعّم والسوق الحر: لماذا يدفع الفلاح المصري الثمن

ونحن الآن في قلب الموسم الزراعي الصيفي، والذي يتميز بزراعة محاصيل استراتيجية مهمة مثل الذرة، والأرز، والخضر، والقطن. لا يسأل المزارع المصري عن الحالة العامة للطقس وحدها وتأثيرها على نمو وإنتاج المحصول، ولا عن موعد الري ومدي، وعلا عن تكاليف العمال. بل يبدأ يومه بسؤال أكثر إلحاحًا: هل أجد السماد؟ وبأي سعر؟ وهل هو متوفر في الوقت المناسب؟

هذه الأسئلة الثالثة البسيطة أصبحت عنوانًا لأزمة أوسع تمس تكلفة الزراعة، وربحية الفدان، وقدرة الفلاح على الاستمرار في إنتاج محاصيل استراتيجية الصيفية.

ورغم تأكيد وزارة الزراعة أن منظومة الأسمدة المدعمة مستمرة وتعمل بكامل طاقتها عبر كارت الفلاح، فإن الفجوة بين سعر الشكارة المدعمة وسعر السوق الحر ما زالت تفتح بابًا واسعًا للقلق والشكوى، خصوصًا لدى صغار المزارعين الذين لا يملكون القدرة على شراء احتياجاتهم من السوق إذا تأخر الصرف أو نقصت الكميات.

وبحسب الأسعار الرسمية المتداولة في الجمعيات الزراعية، يبلغ سعر شيكارة اليوريا المدعمة نحو 290 جنيهًا، شيكارة النترات نحو 285 جنيهًا. لكن الصورة تختلف تمامًا في السوق الحر، وفقًا لأحدث البيانات المتاحة في يونيو 2026، جاءت أسعار الأسمدة في السوق الحر المصري (سعر الطن) كالتالي:

اليوريا 46.5% السعر التقريبي للطن 25,700 – 27,200 جنيه – نترات النشادر 33.5% السعر التقريبي للطن 24,700 – 26,300 جنيه – سلفات النشادر5.20% السعر التقريبي للطن 19,400 – 20,700 جنيه – الأسمدة المركبة (NPK وغيرها) % السعر التقريبي للطن 12,500 – 14,400 جنيه حيث تختلف الأسعار حسب الشركة

الأزمة لا تتوقف عند السعر فقط، بل تمتد إلى آلية التوزيع. فالمزارع يريد منظومة واضحة تتضمن التالي: موعد محدد للصرف، كمية معلنة، رقابة حقيقية على الجمعيات، ومنع تسرب الأسمدة المدعمة إلى السوق.

وفي المقابل، تؤكد الجهات الرسمية أن كارت الفلاح يستهدف ضبط المنظومة وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، وأن نحو 5 ملايين مزارع يستفيدون من منظومة الأسمدة المدعمة.

لكن على الأرض، تبقى المشكلة في التفاصيل. فالمزارع الذي يزرع الذرة أو الخضر لا يستطيع انتظار السماد طويلًا، لأن تأخير الجرعة السمادية قد يقلل الإنتاجية، ويؤثر على جودة المحصول، ويزيد حاجته إلى معاملات إضافية. هنا يتحول السماد من مجرد مستلزم إنتاج إلى عنصر حاسم في حسابات الربح والخسارة.

وتزداد أهمية الأسمدة مع ارتفاع باقي تكاليف الزراعة؛ من تقاوي ومبيدات وسولار وأجرة عمالة ونقل. الفلاح الآن لم يعد يحاسب نفسه على سعر السماد منفردًا، بل يحسب تكلفة الفدان كاملة، ثم يقارنها بسعر بيع المحصول في نهاية الموسم. وإذا اتسعت الفجوة بين التكلفة والعائد، يصبح قرار الزراعة نفسه محل تردد.

ومن الجدير بذكر أن أزمة الأسمدة تأتي في وقت تسعى فيه الدولة المصرية إلى تعزيز الأمن الغذائي وزيادة الاعتماد على الإنتاج المحلي.

 وقد أظهر موسم القمح الأخير أن السعر العادل والحافز الواضح يمكن أن يدفع المزارعين إلى التوسع في التوريد وتحقيق أرقام قياسية. وهذا الدرس يمكن تطبيقه على ملف الأسمدة أيضًا: كلما شعر الفلاح أن مستلزمات الإنتاج متاحة ومنضبطة السعر، زادت قدرته على الإنتاج والتوريد.

وما يطلب به الفلاح وجميع العاملين في القطاع الزراعي اليوم ليس فقط إعلان توافر الأسمدة المدعومة في الجمعيات الزراعية، بل بناء ثقة مستمرة بين المزارع والمنظومة. هذه الثقة تحتاج إلى نشر أسعار الحصص المدعمة بوضوح، وإعلان جداول الصرف في كل محافظة، ومراقبة السوق الحر، وتشديد الرقابة على التسريب، وتوفير قنوات شكوى سريعة وفعالة للفلاحين.

كما أن الحل لا يجب أن يكون إداريًا فقط. فهناك حاجة إلى توسيع دور الإرشاد الزراعي وتوضح أهمية استخدام أساليب وطرق الزراعة الحديثة التي تعتمد على تحليل التربة، ودعم استخدام المخصبات الحيوية وترشيد استخدام الأسمدة والمبيدات وترشيد الري واستخدام التقاوي الجيدة وغيرها من الطرق والأساليب الزراعية الحديثة، وإيضاح للفلاح أن الترشيد في استخدام الأسمدة والمبيدات والري لا يعني تقليل الإنتاج، بل يعني استخدام الكمية المناسبة في الوقت المناسب وبطريقة المناسبة .

في النهاية، ملف الأسمدة ليس قضية تخص الفلاح وحده، بل قضية أمن غذائي تمس المستهلك والدولة والسوق. فكل جنيه إضافي يدفعه المزارع في مستلزمات الإنتاج قد يظهر لاحقًا في سعر الخضار والفاكهة والحبوب.

 وإذا كان الفلاح هو الحلقة الأولى في سلسلة الغذاء، فإن إنصافه يبدأ من ضمان حقه في توفير مستلزمات الإنتاج، وبسعر عادل، ومنظومة توزيع لا تتركه وحيدًا أمام السوق الحر.

وفي الختام يبقى السؤال الأهم: هل تتحول منظومة الأسمدة من مصدر شكوى موسمية إلى أداة حقيقية لدعم الإنتاج؟

الإجابة ستظهر في الحقول، لا في البيانات فقط وهذا هو الأمر المتوقع كما حدث في ازمة القمح وتحولت إلى طفرة في توريد القمح لم تشهدها البلاد من قبل

المراجع:

أسعار الأسمدة المدعمة والسوق الحر المنشورة في بوابة الأهرام،

بيان وزارة الزراعة بشأن استمرار منظومة الأسمدة المدعمة واستفادة نحو 5 ملايين مزارع عبر كارت الفلاح.

تصريحات وزارة الزراعة حول عمل منظومة توزيع الأسمدة بكامل طاقتها وعدم وجود زيادات إضافية على الصرف الرسمي.

تقرير رويترز عن توريد القمح المحلي القياسي في مصر ودور السعر التحفيزي في تشجيع المزارعين.

اعداد

مهندس: محمد سالم فليفل ابوعصا

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى