المسافة بين ما نقول وما يسمعون: كيف نفهم بعضنا خطأً
مقال اجتماعي

بقلم د . مروه محمد وهبه
كم مرة وجدت نفسك في منتصف نقاش حاد، تصرخ بداخلك: “أنا لم أقصد هذا مطلقاً!”؟ وكم مرة شعرت أن الكلمات التي خرجت من فمك نقية وواضحة، وصلت إلى الطرف الآخر مشوهة ومحملة بنوايا لم تخطر لك على بال؟
إن سوء الفهم ليس مجرد “غلطة” عابرة في تواصلنا اليومي، بل هو ظاهرة إنسانية معقدة تحدث طوال الوقت. نحن لا نسمع بآذاننا فقط، بل نسمع بوعينا، وتجاربنا، ومخاوفنا. إليك كيف تتحول الكلمات العفوية إلى ألغام موقوتة بين البشر.
1. فخ “الافتراض المسبق” (نحن نقرأ النوايا لا الكلمات)
العقل البشري يكره الفراغ. عندما يتحدث شخص ما، لا يكتفي عقلنا باستقبال الكلمات، بل يبدأ فوراً في التخمين: “ماذا يقصد وراء هذا؟”.
إذا كان المستمع يمر بيوم سيء، أو يحمل انطباعاً سلبياً سابقاً عن المتحدث، فسيقوم تلقائياً بـ “تسييس الكلمات”. على سبيل المثال، جملة بسيطة مثل: “تبدو مسترخياً اليوم” قد يفهمها الطرف الآخر على أنها اتهام مبطن بالكسل والتقصير، بينما كانت مجرد غبطة بسلامه النفسي!
2. مرشحاتنا النفسية (نحن نرى العالم كما نحن، لا كما هو)
كل إنسان منا يرتدي “نظارة غير مرئية” صُنعت عدساتها من:
تجاربه السابقة وصدماته.
مستوى ثقته بنفسه.
ثقافته وبيئته التي نشأ فيها.
إذا كان شخص ما يعاني من حساسية مفرطة تجاه النقد بسبب تجارب طفولة قاسية، فإن أي نصيحة ودية تقدمها له سيتلقاها كـ هجوم شخصي وعلامة على الرفض. الكلمات هنا لا يتغير معناها في الهواء، بل تتغير بمجرد دخولها المصفاة النفسية للمستمع.
3. وهم الوضوح (خطأ المتحدث)
نحن نقع ضحية انحياز معرفي يُسمى “وهم الوضوح” (Illusion of Transparency). نعتقد أن أفكارنا ومشاعرنا واضحة تماماً للآخرين لأنها واضحة في رؤوسنا.
المتحدث قد يعتمد على نبرة صوت، أو تعبير وجه، أو حتى “إيماءة” يعتقد أنها كافية لإيصال المعنى، في حين أن الطرف الآخر قد يركز على الكلمات المجردة فقط، أو قد يفسر لغة الجسد بشكل مختلف تماماً بناءً على خلفيته.
4. قنوات التواصل الحديثة (النص الجاف)
في عصر “الواتساب” ومواقع التواصل، تفاقمت أزمة سوء الفهم بشكل مرعب. عندما نكتب نصاً، نحن نحرم الكلمة من أهم عناصرها: النبرة، والسياق، والملامح. كلمة “حسناً” يمكن أن تُنطق بـ 10 طرق مختلفة (ودية، غاضبة، ممتعضة، مستسلمة)، لكنها في الرسالة النصية تظهر كـ “كتلة صخرية جافة” يفسرها المتلقي بناءً على حالته المزاجية الحالية.
كيف نجسر هذه الفجوة؟
إن فهم الآخرين بالشكل الصحيح يتطلب جهداً واعياً، وهو ليس بالأمر المستحيل إذا اتبعنا قواعد ذهنية بسيطة:
احسن الظن حتى يثبت العكس: ابدأ دائماً بافتراض أن الشخص الآخر لا يتعمد إيذائك أو التقليل منك.
اسأل بدلاً من أن تخمن: بدلاً من بناء سيناريوهات في عقلك، جرب أن تقول: “أنا شعرت من كلامك بكذا، هل هذا ما قصدته فعلاً؟”.
استمع لتفهم، لا لترد: أغلبنا يستمع وهو يجهز جبهة الدفاع أو الهجوم المضاد، مما يعمينا عن المعنى الحقيقي وراء الكلام.
خلاصة القول:
الكلمات جسور هشّة بين عقولنا. ولكي نلتقي بسلام على الجانب الآخر، علينا أن نتذكر دائماً أن ما نقوله ليس بالضرورة هو ما يُسمع، وأن أثمن ما قد تقدمه لإنسان آخر هو “منحه نفع الشك” ومحاولة رؤية العالم من وراء نظارته هو، لا نظارتك أنت.






