ليس أثقل ما نخسره من العمر سنواته… بل أنفسنا ونحن نحاول التأقلم مع ما لا يشبهنا.

بقلم: د. عصمت ماهر
هناك خسائر لا يراها أحد، لا تُقاس بالمال، ولا بالعمر، ولا بعدد الأحلام التي لم تتحقق. الخسارة الحقيقية أن تستيقظ يومًا، وتنظر إلى نفسك، فلا تجد ذلك الإنسان الذي كنت تعرفه. لا لأن الزمن تغيّر، بل لأنك قضيت سنواتٍ طويلة تحاول أن تتأقلم مع أشياء لم تكن يومًا تشبهك.
هناك من عاش عمره كله وهو يتعلم كيف ينجو، لا كيف يعيش. كبر وهو يخفي مشاعره حتى لا يُساء فهمه، ويكبت غضبه حتى لا يخسر الآخرين، ويؤجل أحلامه حتى يأتي الوقت المناسب؛ ذلك الوقت الذي لم يأتِ أبدًا. أنفق أجمل سنواته في إصلاح أخطاء لم يرتكبها، وحمل أعباءً لم تكن مسؤوليته، وأطفأ حرائق أشعلها غيره، حتى نسي أن بداخله قلبًا يحتاج هو أيضًا إلى من يطمئنه.
ومع مرور الأيام، لا يصبح التعب هو المشكلة، بل الاعتياد عليه. يعتاد الإنسان أن يصمت، وأن يتنازل، وأن يبرر الظلم، وأن يقنع نفسه بأن هذا هو الواقع، وأن الحياة لا تُعاش إلا بهذه الطريقة. وهنا تبدأ أخطر أنواع الخسارة؛ حين تتغير روحك لتناسب بيئةً مريضة، بدلًا من أن ترفض مرضها، فتبتسم وأنت موجوع، وتوافق وأنت رافض، وتضحك بينما شيءٌ بداخلك يموت بصمت.
وفجأة، في ليلةٍ هادئة، أو بعد موقفٍ يهز القلب، أو في منتصف العمر، يسألك صوتٌ خافت من داخلك: أين أنت؟ أين ذلك الإنسان الذي كان يحلم بلا خوف؟ الذي كان يقول رأيه دون أن يرتجف؟ الذي كان يفرح من قلبه، ويبكي دون خجل، ويحب نفسه كما هي؟
تكتشف أن السنوات لم تسرق عمرك فقط، بل سرقت ملامح روحك. وأنك دفعت ثمن البقاء من سلامك، ومن عفويتك، ومن صدقك، حتى أصبحت نسخةً تُرضي الجميع… إلا أنت.
لكن الحياة تمنحنا دائمًا فرصة أخيرة، فرصة أن نعود. أن نسترد أصواتنا، ونضع حدودًا لمن استباحوا أرواحنا، وأن نتوقف عن الاعتذار لأننا مختلفون. أن نُربي أبناءنا على أن احترام أنفسهم أهم من رضا الجميع، وأن الصدق قوة، وأن الاختلاف ليس عيبًا، وأن الإنسان لا يحتاج أن يتخلى عن نفسه حتى يجد مكانًا بين الناس.
لا تجعل كل همّك أن تبقى على قيد الحياة، فالأشجار أيضًا تبقى واقفة سنوات طويلة، لكنها لا تزهر إلا إذا وجدت الضوء والماء. وأنت، لم يخلقك الله لتعيش خائفًا، ولا لتقضي عمرك تُطفئ نورك حتى لا يزعج الآخرين، خلقك لتكون أنت؛ بكل ما فيك من صدق، وكرامة، ونور.
فليس أثقل ما نخسره من العمر سنواته، بل أنفسنا، ونحن نحاول بكل ما أوتينا من قوة، أن نصبح نسخةً ترضي عالمًا لم يُخلق يومًا على مقاس أرواحنا.






