الزلازل الإيجابية

مقال (٦) سلسلة مقالات إحداثيات النمو

كيف تصبح الأزمات نقطة تحول في رحلة نموك؟

هناك مدن في العالم دمّرها الزلزال بالكامل، ثم عادت بعد سنوات قليلة أقوى وأجمل مما كانت. ليس لأن الزلزال كان رحيمًا بها، بل لأنها اختارت، بعد أن هدأت الأرض، أن تبني من جديد بدل أن تبقى وسط الأنقاض. هذا هو الزلزال الإيجابي: ليس ذلك الذي لا يهدم، بل ذلك الذي نُحوّله، بقرارنا، إلى بداية بدل أن يبقى نهاية.
هذا بالضبط ما يحدث معنا حين تضربنا أزمة كبرى. اللحظة نفسها لا تحدد مصيرنا. القرار الذي نتخذه بعدها هو الذي يحدده.

حين يهدأ كل شيء، ونبقى وحدنا وسط الأنقاض
بعد أي أزمة، نكون في العادة أقوى مما نتخيل في اللحظة الأولى. نتماسك، نُكمل يومنا، نبتسم حتى وقلوبنا مثقلة. لكن الأصعب لا يأتي في لحظة الصدمة، بل بعدها، حين يهدأ كل شيء ويرحل من حولنا، ونبقى وحدنا أمام أنفسنا داخل بيتٍ نصف مهدوم.
كثيرون منّا يستقرّون هناك. في بيتٍ مؤقت لا يشبههم، في علاقة أصغر من قلوبهم، في صورة عن أنفسهم أضعف من حقيقتهم. لا لأنهم يستحقون أقل، بل لأن العودة إلى البناء تحتاج شجاعة لم يجدوها بعد.
فلنعلم هذا جيدًا: الأزمة لا تُحدد من نحن. القرار الذي نتخذه الآن، وسط الأنقاض، هو الذي سيحدد ذلك.

كيف نبدأ البناء من جديد، بقلبٍ لا ينهار مرتين؟
١. ننظر إلى ما انكسر بعين صادقة، لا خائفة.
قبل أن تبدأ أي مدينة إعادة البناء، تنظر أولًا إلى ما تهدّم، بلا خوف ولا تجميل. أعطِ نفسك هذا الحق: انظر بصدق لما انكسر فيك. علاقة؟ ثقة بنفسك؟ حلم كان يحملك؟ لا تهرب من السؤال بالإنكار، فقط انظر إليه بحنان، كأمٍ تنظر لطفلها الجريح، لا كقاضٍ يُحاكم ضحية.
٢. لا نبني نفس البيت القديم من جديد.
حين يعصف الحريق بغابة، لا تنبت الأشجار القديمة نفسها من الرماد، بل تخرج من التربة المحروقة أنواع جديدة من النبات، أقوى تحملًا وأعمق جذورًا. الطبيعة لا تُعيد ما كان، بل تبني ما يصلح لمرحلة جديدة. أنت أيضًا لا تحتاج أن تعود لنفس النسخة التي انكسرت. تحتاج أن تُولد بشكل جديد. ما آلمك بالأمس ليس عليك تكراره فقط لأنه مألوف.
٣. لا نحمل الطوب وحدنا.
لا مدينة أعادت بناء نفسها بأيدٍ واحدة. لا تخجل من أن تمد يدك لمن حولك. صديق يسمعك، معالج يرشدك، حتى كتاب يشبه قلبك، كل هذه أيادٍ أتت لتُخفف عنك ثقل الطوب. أنت لا تبني وحدك، ولم يكن مطلوبًا منك ذلك يومًا.
٤. نختار يومًا، ونقول فيه لأنفسنا: اليوم أعود للحياة.
لا تترك قلبك في “قيد الإصلاح” إلى الأبد. اختر يومًا، أي يوم، ولو صغيرًا، وقف فيه أمام المرآة وقل: من اليوم أنا أعود. ليس لأن كل شيء أصبح تمامًا كما كان، بل لأنك تستحق أن تعيش، لا أن تنتظر فقط.

كلمة إليك
أكتب هذا المقال وفي قلبي وجوه كثيرة أعرفها، ممن وقفوا يومًا وسط أنقاضهم يسألون: هل يستحق الأمر أن أعيد البناء من جديد؟ أقول لك بكل صدق: نعم يستحق. لأنني رأيت بنفسي كيف يمكن لأشد الانكسارات أن تصنع أصدق النسخ منّا. أنت لست ضحية هذه الأزمة، أنت مهندسها القادم. وما زلت، رغم كل ما مررت به، تملك في داخلك القدرة على أن تبني شيئًا أجمل مما كان.

خلاصة القول 👌
الجبال العظيمة لم تُولد من أرضٍ هادئة، بل من أرضٍ رفضت أن تبقى منكسرة. فحين تسقط، لن يسألك العالم كم كانت الضربة قاسية، بل سيسألك: ماذا فعلتَ بأنقاضك؟ فاجعل من كل سقطة حجرًا في جبلٍ يشهد على قوتك، لا شاهدًا على قبر يشهد على استسلامك.

انتهى الأمر

د.سمر رضا

دكتوراه الفلسفة في الآداب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى