“عندما ينتصر الاداء وتخسر النتيجة “
عندما يخسر الابطال ماذا يقول علم النفس عن مبارة مصر والارجنتين ؟
” عندما ينتصر الاداء وتخسر النتيحة ”
بقلم دكتور/ سهام عبد الواحد
عندما يخسر الابطال ماذا يقول علم النفس عن مبارة مصر والارجنتين ؟
في الرياضة، كما في الحياة، لا تعكس النتائج دائمًا القصة كاملة. فهناك مباريات تُحسم على لوحة الأرقام، وأخرى تُحسم في وجدان الجماهير وتترك أثرًا أبعد من الفوز والخسارة. والمواجهة التي جمعت المنتخب المصري بنظيره الأرجنتيني تندرج ضمن النوع الثاني؛ إذ قدم خلالها اللاعبون أداءً استثنائيًا أكد أن كرة القدم ليست مجرد أهداف، بل منظومة متكاملة من الثقة والشجاعة والإصرار.
دخل المنتخب المصري المباراة بروح تنافسية عالية، ونجح في فرض شخصيته على مجريات اللقاء، بل وتقدم في النتيجة أمام أحد أبرز المنتخبات العالمية. ولم يكن ذلك محض صدفة، وإنما نتاج إعداد جيد، وانضباط تكتيكي، وإيمان واضح بقدرة الفريق على المنافسة. ولعل أكثر ما لفت الانتباه هو الحالة الذهنية التي ظهر بها اللاعبون؛ فقد لعبوا بثقة، وواجهوا الضغوط دون رهبة، وقدموا نموذجًا يعكس تطورًا مهمًا في الشخصية الرياضية للمنتخب.
ومن منظور علم النفس الرياضي، فإن الأداء تحت الضغط يُعد أحد أهم المؤشرات على نضج الفرق الكبرى. فالفرق التي تمتلك ما يُعرف بـ«الصلابة النفسية» لا تستسلم أمام الأسماء الكبيرة أو الظروف الصعبة، بل تتعامل معها باعتبارها تحديات يمكن تجاوزها. وقد أظهر المنتخب المصري قدرًا كبيرًا من هذه الصلابة طوال المباراة، وهو ما جعل الجماهير تشعر بالفخر رغم مرارة النتيجة.
ولا يمكن إغفال حالة الجدل التي صاحبت بعض القرارات المؤثرة في اللقاء، والتي دفعت كثيرين إلى الشعور بأن المنتخب لم ينل كامل حقه. ومهما اختلفت الآراء حول تلك القرارات، فإن الثابت أن الإحساس بالظلم الرياضي من أكثر المشاعر تأثيرًا على اللاعبين والجماهير على حد سواء. غير أن الدراسات النفسية تشير إلى أن الفرق الناجحة هي تلك التي تستطيع تجاوز الإحباط الناتج عن العوامل الخارجة عن إرادتها، وتحويله إلى دافع للمزيد من العمل والتطور.
إن قيمة هذه المباراة لا تكمن فقط في الأداء الفني، وإنما فيما كشفت عنه من إمكانات حقيقية لدى اللاعبين والجهاز الفني. فقد أثبت اللاعبون أنهم قادرون على مقارعة الكبار، وأثبت المدرب أن لديه رؤية واضحة وشجاعة في إدارة المواجهات الصعبة. كما أظهرت المباراة أن الفارق بين الانتصار والخسارة في المستويات الكبرى قد يكون تفصيلًا صغيرًا، لا فجوةً كبيرة في الإمكانات.
ومن هنا، فإن توجيه الشكر إلى لاعبي المنتخب والجهاز الفني ليس مجرد مجاملة عاطفية، بل اعتراف مستحق بما قدموه من جهد والتزام وروح قتالية. فالجماهير قد تحزن لخسارة مباراة، لكنها لا تنسى فريقًا منحها الأمل وأشعرها بالفخر.
ربما انتهت المواجهة بانتصار الأرجنتين، لكن المنتخب المصري خرج منها بمكسب لا يقل أهمية: ترسيخ الثقة في قدرته على المنافسة. وفي علم النفس، تُعد الثقة الجماعية أحد أهم مقومات النجاح المستقبلي؛ لأنها تُبنى على التجارب الحقيقية لا على الأمنيات.
لهذا، قد تسجل كتب الإحصاء أن مصر خسرت المباراة، لكن ذاكرة الجماهير ستحتفظ بحقيقة أخرى: أن منتخبًا قاتل بشرف، ولعب بشجاعة، وأثبت أن الطريق إلى الإنجازات الكبرى يبدأ أحيانًا من مباراة لم تنتهِ كما كنا نتمنى، لكنها أكدت أننا نسير في الاتجاه الصحيح.




