حين يلين العظم: عن الدَّيْن الذي لا يُسدَّد والتجاعيد التي حفرت ملامحهم
مقال اجتماعي

بقلم د/عصمت ماهر
في زحام الحياة العصرية،
نعتاد أن نقيس كل شيء بميزان “العطاء والأخذ”،
ونتعلم كيف نكون مستقلين، طموحين، ومندفعين نحو المستقبل.
لكننا في غمرة هذا الركض، ننسى غالباً أن هناك شخصين في هذا العالم استهلكا “مستقبلهما” بالكامل ليصنعا لنا حاضرنا.
الوالدان ليسا مجرد بند في قائمة الواجبات الأخلاقية، بل هما الحقيقة الدافئة الوحيدة في عالم يزداد بروداً.
التجاعيد.. حكايتنا المكتوبة على وجوههم..
لو تأملت كفيّ والدك،
أو نظرت بعمق إلى عيني والدتك،
لن ترى مجرد علامات لتقدم السن؛ بل سترى “خريطة طريق” لنجاحك أنت.
كل تجعيدة في وجه الأم هي قلق قديم تولّد في ليلة مرضتَ فيها.
وكل انحناءة في ظهر الأب هي ثقل حِملٍ رفعه عن كاهلك لتبدو أنت مستقيماً أمام العالم.
واجب الأبناء تجاه الوالدين لا يبدأ وينتهي عند حدود “الطاعة العمياء” أو تلبية الاحتياجات المادية،
بل يبدأ من “الامتنان العميق” الذي يترجم إلى سلوك يومي.
إنهم لا يحتاجون إلى أموالنا بقدر ما يحتاجون إلى عقولنا وقلوبنا حين يتقدم بهم العمر.
ما الذي يحتاجه الآباء حقاً؟
الصبر في زمن السرعة: نحن جيل يملّ سريعاً، نتحرك بلمسة على شاشات هواتفنا. أما هم، فيتحركون ببطء فرضته السنون.
أكبر عقوق اليوم ليس برفع الصوت دائماً،
بل بـ “التأفف المستتر” أو إشعارهم بأنهم عبء على إيقاع حياتنا السريع.
الإنصات لا الاستماع: يحب الكبار رديء الحكايات وتكرارها. واجبك ليس فقط أن تسمع، بل أن تنصت بشغف، كأنك تسمع القصة للمرة الأولى،
لأنهم في تلك اللحظة لا يروون حكاية، بل يستجدون شعوراً بأنهم ما زالوا مهمين.
حفظ الكبرياء: عندما يضعف المرء، تصبح كبرياؤه هشة.
البر الحقيقي هو أن تعطي والديك دون أن تشعرهم بضعفهم أو حاجتهم إليك،
أن تطلب مشورتهم في أمور حياتك حتى لو كنت خبيراً بها،
لتؤكد لهم أن “حكمتهم” لا زالت مرجعك.
”إن أصعب ما في البر، ليس إطعامهم أو كسوتهم،
بل أن تتسع مساحتك النفسية لهم حين تضيق مساحاتهم،
وأن تكون العكاز الأخلاقي الذي يستندون إليه دون أن يشعروا بثقله.”
نهاية المطاف..
قبل فوات الأوان
الحياة قطار سريع،
والوالدان محطة لن تتكرر.
والبر ليس نافلة أو تفضلاً منا، بل هو دين مؤجل،
ستدفعه لك الأيام خطوة بخطوة عبر أبنائك.
إن أعظم ما يمكن أن يقدمه الابن لوالديه في زماننا هذا،
هو “الوقت الحاضر”؛ ألا يمنحهم فضلة وقته، بل خيارته الصادقه.
أن يشعروا وهم في خريف العمر، أن الشجرة التي سقوها بدمائهم وأعصابهم قد أثمرت ظلاً يحميهم من هجير الأيام.
لا تنتظروا رحيلهم لتبكوا على عتبات ذكرياتهم،
برّوهم اليوم،
قبل أن تصبح غرفهم فارغة،
ولا يتبقى منها سوى الصدى والندم.






