“أنت الأن علي نظام خارج الخدمه…. الانشقاق”

عندما يكون لا مفر من الألم (الحلقة الثامنة من سلسلة: آليات الدفاع النفسي)

“أنت الأن علي نظام خارج الخدمه…. الانشقاق”                     (عندما يكون لا مفر من الألم )
بقلم…. د/سارة العناني

(الحلقة الثامنة من سلسلة: آليات الدفاع النفسي)

مقدمة:

تخيل أن الألم يفوق طاقتك. ليس ألماً عادياً… بل رعباً لا يُحتمل. في هذه اللحظة، يقوم عقلك بأغرب شيء يمكن تخيله: إنه يفصل روحك عن جسدك؛ فجأة، تجد نفسك تطفو فوق المشهد، تنظر إلى جسدك من بعيد، وكأن ما يحدث لا يحدث لك… بل لشخص آخر. أنت هناك… ولكنك لست هناك.

بعد أن تعلمنا كيف “ينعزل” العقل عن المشاعر فقط ف (الانعزال العاطفي)، سنتعلم اليوم كيف “ينفصل” عن الواقع بالكامل، عن الجسد، عن الهوية. هذه هي آلية “التفكك” أو “الانفصال” (Dissociation). إنها ليست حيلة عادية… بل إنها خطة النجاة القصوى.

أولاً:

ما هو “الانفصال”؟

الانفصال هو آلية دفاع لا واعية، يقوم فيها العقل بفصل الشخص عن وعيه، أو ذاكرته، أو هويته، أو حتى جسده، هرباً من صدمة لا يمكن تحملها. الشعور السائد هو

“هذا لا يحدث لي”. العقل يخلق فجوة بين “الأنا” و”التجربة المؤلمة”.

ببساطة:
العقل الباطن يقول:

“إذا كان لا مفر من الألم سأغادر. سأترك الجسد هنا ليتحمل الضربة، وسأذهب أنا بعيداً”.

ثانياً:

كيف يبدو الانفصال؟

(الوجوه المتعددة)

للانفصال مستويات ووجوه مختلفة، وقد نختبره جميعاً بدرجات خفيفة مثل:

” أحلام اليقظة” لكنه في حالته الحادة يصبح مخيفاً:

· تبدد الشخصية(الذات) (Depersonalization):

“أنا لا أشعر أني أنا. جسدي غريب عني. يدي لا تبدو كأنها يدي. أنا أشاهد حياتي من بعيد كفيلم.”

· تبدد الواقع (Derealization):

“العالم حولي غير حقيقي. كل شيء يبدو مشوشاً، كأنه خلف زجاج، أو كأني في حلم.”

· الشرود الانفصالي (Dissociative Fugue):

يسافر الشخص فجأة إلى مكان بعيد، ولا يتذكر من هو، أو كيف وصل إلى هناك. قد يتبنى هوية جديدة تماماً.

· اضطراب الهوية الانفصامي (Dissociative Identity Disorder):

نادر الحدوث ف انه يحدث في أقصى حالات الصدمة المزمنة في الطفولة، ينقسم فيه العقل إلى عدة هويات منفصلة، كل واحدة منها تحمل جزءاً من الذاكرة المؤلمة.

ثالثاً:

الفرق بين الانفصال والانعزال العاطفي

هذا السؤال مهم جداً، لأن الآليتين متشابهتان، لكنهما مختلفتان في العمق:

 

· في الانعزال العاطفي:

أنت موجود، تذكر كل شيء، لكن المشاعر فقط هي المبتورة. “أعرف ما حدث، لكني لا أحزن.”

· في الانفصال:

قد تغيب أنت بالكامل.

إما أن تغيب عن جسدك (تبدد الشخصية)، أو تغيب عن العالم (تبدد الواقع)، أو تغيب ذاكرتك بالكامل (الشرود). “لا أعرف ما حدث. أنا لم أكن هناك.”

رابعاً:

أمثلة واقعية صادمة

· الناجية من الاغتصاب:

أثناء الحادثة، شعرت فجأة أنها تطفو فوق السقف، تنظر إلى جسدها الملقى على السرير. لم تشعر بالألم في تلك اللحظة. كان عقلها قد غادر الجسد. بعد سنوات، لا تذكر تفاصيل الحادثة إلا كصور متقطعة.

· جندي في الحرب:

بعد انفجار قريب، يمشي الجندي في ساحة المعركة ببطء، هادئاً تماماً، ينظر إلى الجثث من حوله وكأنها مجرد أشياء. هو ليس شجاعاً… هو منفصل. عقله أوقف التسجيل ليحميه.

· طفل تحت التعذيب:

طفل يتعرض للضرب المبرح بشكل متكرر. يصف لاحقاً أنه كان “يطير” بعيداً أثناء الضرب. عقله خلق عالماً خيالياً يهرب إليه، تاركاً الجسد يتحمل الألم.

خامساً:

كيف نتعامل مع الانفصال؟

الانفصال هو الجرح الأعمق. وعلاجه يحتاج إلى صبر وأمان :

1. التثبيت (Grounding): أول خطوة هي إعادة الشخص إلى “هنا والآن”. باستخدم الحواس الخمس.(اليقظه الذهنيه)

. أين أنت الآن؟ ما اسمك؟ ما التاريخ؟

المسك بشيء بارد، شم رائحة قوية، سماع صوت عالٍ. هذه تعيد الدماغ إلى الجسد.

2. العلاج المتخصص (Trauma-Focused Therapy):

. علاجات مثل EMDR

(إزالة الحساسية وإعادة المعالجه عن طريق حركة العين)

مصممة خصيصاً للتعامل مع الصدمات الانفصالية وكرب ما بعد الصمة والصدمات

المركبة، الدمج بين الذاكرة والمشاعر والجسد يحتاج إلى متخصص.

3. البيئة الآمنة:

خلق بيئة آمنة كلياً هو أساس العلاج جسديا ونفسيا ، فحينئذ يتعلم العقل انه لم يعد بحاجه للهروب.

وخاتمًا:

في رحلتنا مع آليات الدفاع النفسي، “الانفصال” هو الآلية التي تشرح لنا أعمق جروح الروح. تشرح لنا لماذا لا يتذكر البعض طفولتهم. تشرح لنا لماذا يشعر البعض أنهم “غرباء” في أجسادهم.

علاج الانفصال هو العودة. العودة إلى هنا. العودة إلى الآن. العودة إلى الجسد.

الانفصال هو محاولة الروح للهرب من الجسد؛ والشفاء هو أن نتعلم كيف نعود. كيف نتصالح مع الجسد الذي حمل عنا الألم؟!. كيف نقول: “أنا هنا. أنا موجود. أنا حي.”

ليس المطلوب أن تنسى…ولكن المطلوب منك أن تعود.

فشعارنا……
الوعي = حياة.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى