عندما تخفق واشنطن في قراءة الخريطة

 

سمير باكير يكتب –
في مشهد يعكس ارتباكاً استراتيجياً أميركياً نادراً، تحولت الهجمات على إيران خلال الأيام الأخيرة إلى “رماية عمياء” في الضواحي والسواحل الجنوبية، حيث تستهدف مواقع افتراضية وصيد السمك بدلاً من المنشآت العسكرية. فبعد أن استنفدت واشنطن بنك أهدافها “الحقيقي”، أصبحت تهاجم قوارب الصيد في ميناء أميدية ولنشات جزيرة هرمز، وكأنها تبحث عن عدو في غير مكانه.

لكن الأكثر إثارة للانتباه، أن الصواريخ الأميركية الأرض-أرض انطلقت الليلة الماضية من الكويت، لتؤكد تحولاً تكتيكياً يعكس نفاد الخيارات الآمنة. وفي المقابل، كشف الإيرانيون عن قدراتهم الاستخباراتية الفائقة، مستهدفين بدقة متناهية منصات “هيمارس” الأميركية وصواريخها التكتيكية داخل الكويت، في عملية نوعية مبادرة هي الأولى من نوعها، ليعلنوا أنهم لم يعودوا في موقع الردّ، بل في مربع الفعل.

إيران: من الدفاع إلى الردع المسبق

لم تعد طهران تتعامل مع مضيق هرمز كأداة تفاوض، بل كورقة استراتيجية في معادلة الردع الجديدة. فبينما تراهن واشنطن على الضغط العسكري لإجبار إيران على التراجع، تؤكد الجمهورية الإسلامية أنها مستعدة ليس عسكرياً فحسب، بل لإدارة صراع يفرض على أميركا كلفة باهظة لأي مغامرة. ومذكرة التفاهم، التي منحت إيران حقاً في ترتيبات المضيق، عززت موقعها التفاوضي، بينما يندم الأميركي اليوم على ما وقّع.

قواعد اشتباك جديدة

مع تدمير جزء كبير من قدرات “هيمارس” الأميركية في الكويت، والتي تُعتبر من أهم الأسلحة الهجومية الفعالة والرخيصة ضد إيران، أصبحت واشنطن أمام معادلة صعبة: فالصواريخ الباهظة الثمن مثل “توماهوك” لا تصلح للاستدامة، والطائرات الحربية باتت عرضة للإسقاط كما حدث مع F-16 وF-35 خلال الحرب الأخيرة. وهنا يبرز السؤال الحقيقي: هل تستطيع أميركا تحمل كلفة حرب جديدة، في وقت أثبتت فيه إيران أنها قادرة على ضرب العمق الأميركي حيث لا يتوقعون؟

 

ما يحدث اليوم ليس مجرد هجمات متبادلة، بل إعلان عن مرحلة جديدة من المواجهة، حيث أصبح أمن الملاحة والطاقة جزءاً من معادلة الردع، وأي اعتداء على إيران لن يبقى محصوراً في جغرافيتها، بل سيمتد ليطال المصالح الأميركية والإقليمية. أميركا التي ظنت أن الضغط العسكري يكفي، تكتشف الآن أن إيران أعادت كتابة قواعد اللعبة، وفرضت على واشنطن أن تدفع ثمن كل خطوة في منطقة أصبحت فيها الهجمات العمياء، أخطر من أي عدو مرئي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى