الورقة الأخيرة.. عندما يؤلمنا “الخوف من السقوط” أكثر من السقوط نفسه
مقال اجتماعي

كتبت د/ عصمت ماهر
الورقة الأخيرة..
عندما يؤلمنا “الخوف من السقوط” أكثر من السقوط نفسه!
في طابور الحياة الطويل والمزدحم،
نجد أنفسنا أحياناً واقفين في مكاننا،
لا نرى الطريق ولا نلتفت للعبور،
بل نثبّت عيوننا ونظراتنا بذهول على شيء واحد فقط: “الورقة الأخيرة” الباقية في أيدينا.
هذه الورقة قد تكون أي شيء؛ قد تكون المحاولة الأخيرة لإنقاذ علاقة تحتضر،
أو بضع قطع نقدية متبقية في جيب أبٍ يطارد شبح غدٍ مجهول،
أو ربما تكون تلك الشمعة الضئيلة المتبقية في قلب إنسان أرهقته الخيبات، فصار يهمس لنفسه: “إذا انطفأت هذه الشمعة.. سأنطفئ أنا أيضاً”.
الغريب في طبيعتنا البشرية، أننا عندما تشتد علينا الأزمات، نتحول غريزياً إلى كائنات “تحدق في الباب المغلق”.
ننسى تماماً أن الجدار مليء بالنوافذ، وننسى أن هناك متسعاً شاسعاً للمناورة،
ونركز كل طاقتنا النفسية والذهنية في تلك البقعة الضيقة التي استعصت علينا. نربط مصيرنا كله
بزوال تلك “الورقة الأخيرة”، ونقنع أنفسنا بأن سقوطها هو نقطة النهاية.
لكن،
دعنا نتساءل بصدق: هل نحن خائفون من السقوط ذاته، أم من “الفراغ” الذي يليه؟
الإنسان بطبعه يملك قدرة مذهلة على تحمل الألم، لكنه يرتعب من “اللاشيء”. يخاف أن ينظر إلى كفيه فيجدهما فارغتين. لهذا السبب تحديداً،
نتمسك بأشياء ميتة وعلاقات منتهية،
لمجرد أننا نخشى مواجهة شكل حياتنا وهي “خالية” منها.
الخدعة النبيلة التي تنقذ حياتنا
أولئك الذين نراهم أقوياء وننبهر بقدرتهم على الوقوف بعد كل انكسار،
لم يملكوا حظاً أوفر من غيرهم،
ولم تكن ظروفهم أكثر رقة..
السر الحقيقي يكمن في أنهم عندما لم يجدوا “ورقة أخيرة” يتشبثون بها، قرروا “أن يخترعوها”!
الأم التي تصنع من شحّ المكونات وجبة دافئة لصغارها،
وتضحك في وجوههم قائلة “غداً أجمل”..
هي في الحقيقة تخترع ورقة أمل من العدم.
الشاب الذي يُرفض في مئة مقابلة عمل، ثم يستيقظ في الصباح التالي ليكوي قميصه ويقدم في مكان جديد بابتسامة..
هو لا يطارد أوهاماً، بل يصنع حقيقته بيده.
هذه ليست سذاجة، بل هي “الخدعة النبيلة” التي يحتاجها عقلنا الباطن ليعيد تشغيل محركات البقاء والنهوض.
عندما تجد شجرتك قد عريت تماماً من الورق،
ارفع رأسك وارسم ورقتك الخاصة على الجدار..
لا تنتظر أن تأتي بها الريح.
الشجرة لا تحزن في الخريف
إذا نظرنا إلى الطبيعة من حولنا،
سنجدها تمنحنا هذا الدرس مجاناً في كل عام.
الشجرة عندما يباغتها الخريف وتتساقط أوراقها،
لا تعلن وفاتها ولا تتوقف عن الحياة. على العكس تماماً، تظل صامدة لأنها تملك “إيماناً سرياً” مدفوناً في عمق جذورها تحت الأرض الباردة،
بأن الربيع قادم لا محالة.
هي تدرك يقيناً أن أوراقها القديمة يجب أن تسقط لتخلي مساحة لأوراق أخرى أنضر، أقوى، وأكثر خضرة.
العري هنا ليس موتاً..
بل هو عملية تفريغ للمساحات تمهيداً لولادة جديدة.
إذا كنت تقف اليوم تراقب ورقتك الأخيرة وهي تهتز بعنف تحت ريح الظروف، وتشعر برعب ينهش قلبك مع كل هبة ريح..
تذكر هذا دائماً:
الخوف من السقوط يستنزف روحك أكثر بكثير من لحظة السقوط نفسها. وعندما تسقط هذه الورقة الأخيرة –
وهي حتماً ستسقط-
لا تخف..
فالكون لن يتوقف،
وأنت لن تنتهي.
في تلك اللحظة بالذات ستكتشف لأول مرة،
أنك لم تكن تلك الورقة الضعيفة التي طارت مع الهواء..
بل كنت الشجرة القوية القادرة على إنجاب ألف ورقة أخرى.”
كفّ عن مراقبة ما يسقط..
ركز في عمق جذورك،
وابدأ من جديد.






