توتر جديد بين الأرجنتين وإنجلترا بعد نصف نهائي المونديال.. الفوكلاند كلمة السر

لم تكن مواجهة الأرجنتين وإنجلترا في الدور نصف النهائي من كأس العالم 2026 مجرد مباراة لتحديد المتأهل إلى النهائي، بل أعادت إحياء واحد من أكثر الملفات السياسية والتاريخية حساسية بين البلدين، وهو النزاع المستمر منذ عقود حول جزر الفوكلاند، أو “لاس مالفيناس” كما يسميها الأرجنتينيون، فمع صافرة النهاية التي أعلنت فوز المنتخب الأرجنتيني، تصاعدت الأجواء المشحونة داخل المدرجات وعلى منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، وسط استدعاء واسع لذكريات الحرب التي خاضها البلدان عام 1982.
لاعبو الأرجنتين يجددون التوتر
وشهدت الساعات التي أعقبت المباراة تداول صور ولافتات رفعها اللاعبون والمشجعون الأرجنتينيون كتب عليها “المالفيناس أرجنتينية”، فيما انتشرت تعليقات من مسؤولين وسياسيين وإعلاميين في البلدين أعادت النقاش حول السيادة على الأرخبيل الواقع في جنوب المحيط الأطلسي، وهو الملف الذي لا يزال يمثل نقطة خلاف رئيسية بين لندن وبوينس آيرس رغم مرور أكثر من أربعة عقود على انتهاء الحرب.
وتعود جذور الأزمة إلى القرن التاسع عشر، عندما فرضت بريطانيا سيطرتها على الجزر عام 1833، بينما تؤكد الأرجنتين أن الأرخبيل جزء من أراضيها الموروثة منذ الاستقلال عن إسبانيا، وظل الخلاف قائما حتى اندلاع الحرب في الثاني من أبريل عام 1982، بعدما أرسلت الأرجنتين قواتها للسيطرة على الجزر، لترد المملكة المتحدة بإرسال قوة بحرية وعسكرية كبيرة استعادت الأرخبيل بعد حرب استمرت 74 يوما.
حرب الفوكلاند
وأسفرت الحرب عن مقتل نحو 649 جنديا أرجنتينيا و255 عسكريا بريطانيا، إضافة إلى ثلاثة من سكان الجزر، فيما تركت آثارا سياسية ونفسية عميقة لدى الشعبين، ولا تزال ذكراها حاضرة بقوة في الخطاب السياسي الأرجنتيني، الذي يعتبر استعادة “المالفيناس” قضية وطنية، بينما تؤكد بريطانيا أن سكان الجزر اختاروا البقاء تحت السيادة البريطانية، مستندة إلى نتائج الاستفتاء الذي أجري عام 2013 وصوت فيه أغلب السكان لصالح استمرار تبعيتهم للمملكة المتحدة.
ولم تكن كرة القدم بعيدة يوما عن هذا الصراع، إذ تحولت المواجهات بين المنتخبين إلى أكثر من مجرد منافسة رياضية، ففي كأس العالم 1986 بالمكسيك، وبعد أربع سنوات فقط من الحرب، حقق المنتخب الأرجنتيني فوزا تاريخيا على إنجلترا بهدفين سجلهما الأسطورة دييجو أرماندو مارادونا، الأول بيده فيما عرف لاحقا باسم “يد الله”، والثاني الذي اعتبره كثيرون “هدف القرن” بعد مراوغة نصف الفريق الإنجليزي، وبعد اللقاء، قال مارادونا إن الهدف الأول جاء “بقليل من رأس مارادونا وقليل من يد الله”، بينما رأى كثير من الأرجنتينيين أن الانتصار حمل طابعا رمزيا يتجاوز الرياضة، باعتباره بمثابة رد معنوي على هزيمة الحرب.
ذكريات الصراع السياسي
ومنذ ذلك الحين، ارتبطت كل مواجهة كروية بين المنتخبين بإحياء ذكريات الصراع السياسي، حيث تحظى المباريات بمتابعة استثنائية من وسائل الإعلام في البلدين، التي تستحضر تاريخ الحرب وقضية الجزر قبل الحديث عن الجوانب الفنية للمباراة.
وخلال نصف نهائي مونديال 2026، تكررت المشاهد ذاتها، إذ رفع اللاعبون والجماهير الأرجنتينية أعلاما ولافتات تؤكد أن “المالفيناس أرجنتينية”، فيما انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات تربط بين الانتصار الرياضي والقضية الوطنية، وفي المقابل، تعاملت وسائل إعلام بريطانية مع المباراة باعتبارها مواجهة تحمل أبعادا تاريخية تتجاوز كرة القدم، مع الإشارة إلى الحساسية التي تحيط بأي لقاء يجمع المنتخبين.
ورغم أن الاتحاد الدولي لكرة القدم يحظر استخدام البطولات الدولية كمنصة للرسائل السياسية، فإن التاريخ المشترك بين الأرجنتين وإنجلترا يجعل من الصعب فصل الرياضة عن السياسة في مثل هذه المناسبات، خاصة عندما يتعلق الأمر بجزر الفوكلاند، التي لا تزال تمثل أحد أبرز ملفات الخلاف الدبلوماسي بين البلدين.
وبينما تستعد الأرجنتين لخوض نهائي كأس العالم، إلا أن المواجهة الأخيرة أعادت التذكير بأن الصراع حول جزر الفوكلاند لم ينته، وكرة القدم ستظل، بالنسبة لكثيرين في البلدين، أكثر من مجرد لعبة، بل مساحة تستعاد فيها ذاكرة الحرب، وتنعكس خلالها مشاعر وطنية وتاريخية لا تزال حاضرة بعد أكثر من أربعين عاما على انتهاء المعارك.






