أخر الأخبار

في أمسية شعرية ” بقلم طارق غريب – مصر

” في أمسية شعرية ”

بقلم طارق غريب – مصر

حين يتكئ الليل على كتف المقهى القديم في حي الحسين

ويُرخي القمر ستاره الفضي على الوجوهِ المُنهكة

من صخب النهار ، أقف أمامكم

والقلب يرتعش كطفل يمسك بيده وردة ذابلة

يخشى أن تسقط أوراقها قبل أن يُقدمها لحبيبته

الهواء ثقيل برائحة القهوة السادة المُرة ، ممزوجة بدخان الشيشة الذي يُعانق أنفاس الشعراء كعاشق يرفض الرحيل. وفي الخلفية ، يبكي العود لحن أم كلثوم القديم ، همساً كأنما يعرف ما سيُقال قبل أن تُنطق الكلمات

وكأنما يتذكر معي كل ليلة قضيتها أراقب النجوم من شرفة ضيقة في بيت شعبي ببولاق.

أصدقائي ، اسمحوا لي أن أُطيل الحديث هذه الليلة

فالكلمات في صدري كالدم المكبوت في وريد قديم

إذا لم يُطلق يقتل صاحبه ببطء.

أبدأُ من حيث يبدأُ كل شيء عندي : من ليلى.

ليلى التي لم تكن امرأة واحدة

بل كانت كل النساء اللواتي مررن في حياتي

كالريح العابرة على سطح النيل

تُحرك الماء قليلاً ثم تذهب.

ليلى الأولى كانت في الإسكندرية

صيف ثمانينيات حار

حين كنت أجلس على الكورنيش أكتب قصائد لا يقرأها أحد

وهي تمر بفستان أبيض يلتصق بجسدها من رطوبة البحر تضحك لصديقاتها ضحكة تُشبه صوت الموج

حين ينكسر على الصخور.

لم أُكلمها يوماً ، لكني سميتها ليلى في قصيدتي الأولى

ومن يومها صارت ليلى كل من أحببت

ثم جاءت ليلى الثانية في القاهرة

في شارع ضيق خلف الأوبرا كانت ترقص

في فرقة شعبيةفي مولد السيدة زينب.

رقصت حتى الصباح ، وأنا أراقبها من بعيد

أرى في حركة خصرها كل الأسئلة التي لم أجرؤ على طرحها على نفسي : لماذا نحب؟ ولماذا نُؤلم ؟

ولماذا نعود لنُحب مرة أخرى رغم علمنا

أن الحب جرح لا يُبرأ ؟

يا ليل

أنت الشاهد الوحيد على حزني حين

انفجر صدري في ليلة مطيرة من ليال ديسمبر

حين تركتني ليلى الثالثة برسالة قصيرة على ورقة صفراء : ‘ سامحني ، لم أعد أستطيع ‘

كانت كلماتها بسيطة ، لكنها مزقت في شيئاً أعمق من الجسد مزقت الإيمان بأن الحب يمكن أن يكون ملاذاً آمناً.

أمشي في شوارع القاهرة القديمة كل ليلة تقريباً

أبحث عن وجه رأيته في حلم منذ سنين

فأجده أحياناً في عيني بائعة فول عجوز

في سوق الجملة تضحكُ لي ضحكة كسرت

في داخلي جداراً كنت أظنه من حديد.

وأحياناً أخرى أجده في طفل يبيع المناديل عند إشارة المرور ينظر إلي بنظرة تقول : ‘ أنا أعرف ألمك يا عم

فأنا أحمله منذُ ولدت ‘

أنا لا أكتب الشعر ، أيها السادة ، الشعر يكتبني

يأخذ من دمي حبراً ، من صراخي إيقاعاً

من صمتي بيتاً كاملاً ، من أرقي سطراً جديداً كل ليلة.

هل شعرتم يوماً أن الكلمات تخرج

منكم كالدم من جرح عميق لا يندمل؟

هل أحببتم امرأة حتى صار اسمها صلاة تُرددونها في الخفاء كلما شعرتم بالوحدة؟

هل خفتم من أنفسكم حين وجدتموها قادرة على الحب

مرة أخرى ، رغم كل الندوبِ القديمة؟

هل وقفتم أمام المرآة ذات صبح وبكيتم لأنكم رأيتم في عينيكم طفلاً صغيراً لا يزال ينتظر أمه التي لم تعد ؟

أغلق عيني الآن ، وأرى ليلى الرابعة

تلك التي كانت روح غجرية في مولد السيدة نفيسة

رقصت معي حتى الفجر ، وكأن العالم توقف عن الدوران لأجلنا نحن الاثنين

كانت تضحكُ وتقول : الحب يا طارق لا يسأل إذناً

يأتي كاللص في الليل ، يسرق قلبك

ثم يتركك تبحث عنه بقية العمر

ثم رحلت ، كما ترحل كل الغجريات الحقيقيات دون وداع

دون تفسير تاركة وراءها رائحة عطر رخيص

وعلبة سجائر فارغة وذكرى لا تمحوها السنين.

وأرى ليلى الخامسة ، التي كانت في الحقيقة

مرآة لروحي الممزقة.

كنت أحبها وأكرهها في آن ، لأنها كانت تُذكرني

بكل ما أخفيه عن نفسي : الجبن والخوف من الاقتراب

والرغبة في أن أُحب بجنون وأنا أعلم أن الجنون

يؤدي إلى المصحة أو إلى القبر.

أيها الأصدقاء

في هذه الأمسية الشعرية

لسنا سوى مجموعة من الجرحى نتظاهر بالشفاء

نجلس هنا ، نشرب القهوة ، نصفق لبعضنا

لكن في داخل كل واحد منا صرخة مكتومة تقول

أنا أحيا ، لكن جزءاً مني مات منذ زمن

أنا أحب ، لكن الحب علمني أن كل لقاء

هو في الحقيقة وداع مؤجل

أنا أكتب ، لأن الكتابة هي الطريقة الوحيدة

التي أعرفها لأبقى حياً.

أتذكر ليلة في شارع المعز ، كنت أسير وحدي بعد فراق جديد فسمعت صوت امرأة تبكي خلف باب خشب قديم

توقفت ، وكدت أطرق الباب لأسألها : هل أنت ليلى أيضاً؟

هل جرحك يشبهُ جرحي؟ لكني مضيت

لأني أعلم أن كل دمعة في هذه المدينة

لها اسم ليلى سري لا يقال.

وأتذكر ليلة أخرى في مقهى الفيشاوي

جلس بجانبي رجل عجوز يرتدي جلباباً أبيض

طلب شاياً بالنعناع ، ثم قال لي فجأة :

” يا ولدي ، الحب كذبة كبيرة نحكيها

على أنفسنا لنستمر في الحياة “.

سألته : وإذا توقفنا عن الكذب؟

ابتسم ابتسامة حزينة وقال : ” ننتحر ، أو نكتب شعراً “.

ربما لهذا السببِ نحن هنا الليلة.

لنكذبَ معاً ، لنبكي معاً ، لنحب معاً ، ولنكتب معاً

في أمسية شعرية لا تنتهي إلا مع طلوع الفجر

وحتى حينئذ ، تبقى الكلمات معلقة في الهواء كالدخان

تنتظر ليلة أخرى ، ووجوها أخرى

وقلوباً أخرى جائعة للكلمة الصادقة.

أنحني لكم طويلاً ، وأترك الكلمات تتساقط من فمي

كأوراق شجرة في عاصفة خريفية عنيفة

عساها تجد في قلوبكم تربة خصبة

تنبت فيها أشجار جديدة من الأملِ المر

والألم الجميل ، والحب الذي لا يموت أبداً

مهما حاولنا دفنه.

شكراً لأنكم سمحتم لي أن أكون صوتاً بين أصواتكم،

وصرخة بين صرخاتكم

وقلبا ينزف بين قلوب تنزف في صمت هذه الليلة الطويلة.

طارق غريب – مصر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى