رضا النادي يكتب ضريبة النبل والطيبة

ضريبة النبل بقلم الكاتب / رضا النادي
تضحية الإنسان الطيب هي واحدة من أنبل القصص الإنسانية، لكنها في نفس الوقت الأكثر وجعاً عندما تنتهي بالجحود. إليك مقالاً يعبر عن هذا الصراع بين نبل العطاء ومرارة الخذلان، بعنوان: “ضريبة النبل: عندما يحترق الطيبون ليضيئوا عتمة الآخرين”.
ضريبة النبل: عندما يحترق الطيبون ليضيئوا عتمة الآخرين
في عالمٍ يلهث وراء المادة والمصالح الشخصية، يبرز صنف من البشر كأنهم “عملات نادرة” أو بقايا من زمن الفرسان. هم أولئك الذين يمتلكون قلوباً لا تعرف كيف تقول “أنا”، بل تعودت دائماً أن تقول “أنت”. هؤلاء هم الذين قدموا أعمارهم، راحتهم، بل وأحياناً مستقبلهم، كقربان لراحة غيرهم، معتقدين أن المعروف لا يضيع، وأن بذرة الخير ستثمر حتماً امتناناً وتقديراً.
جوهر التضحية: احتراق من أجل الآخر
تبدأ الحكاية دائماً باندفاع فطري نحو العطاء؛ شخص يقتطع من لحمه ليطعم جائعاً، أو يقضي لياليه ساهراً ليؤمن نوم غيره. الإنسان الطيب لا يضحي لأنه يملك الفائض، بل لأنه يملك “الإيثار”. هو يرى أن سعادة من حوله هي امتداد لسعادته الشخصية، فيضع أحلامه في “درج الانتظار” ليرمم أحلام الآخرين.
الصدمة.. عندما يصمت التصفيق
لكن المشهد الدرامي يبدأ عندما تنتهي المهمة. حينما يقف هذا الشخص الطيب منهكاً، وقد استنفد طاقته ووقته، ليلتفت حوله باحثاً عن يد تمتد إليه كما فعل هو، فلا يجد إلا الفراغ، أو الأسوأ من ذلك.. يجد نكراناً للجميل يجعله يتساءل: “هل كنت مخطئاً منذ البداية؟”
أصعب لحظات الخذلان تتلخص في النقاط التالية:
تحوّل الفضل إلى حق مكتسب: مع مرور الوقت، يعتاد الناس على تضحيات الطيب، فيتوقفون عن شكره، بل وقد يغضبون منه إذا قصر يوماً، وكأن عطاءه واجب لا اختيار.
النسيان السريع: البشر بطبعهم يميلون لنسيان الفضل بمجرد زوال الحاجة.
العزلة في وقت الشدة: عندما يسقط “المضحي”، يكتشف أن الذين حملهم على أكتافه طويلاً لم يتركوا له مكاناً في قلوبهم أو حياتهم.
هل تضيع التضحية حقاً؟
قد يبدو من الناحية المادية والاجتماعية أن هذا الشخص “خسر” كل شيء، ولم يجد ثمناً لتضحياته. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. إن القيمة الحقيقية لما قدمه لا تقاس بمدى امتنان البشر، بل بنقاء معدنه هو.
“أسوأ أنواع الندم هو الندم على فعل الخير، لأنك بذلك تقتل أجمل ما فيك لمجرد أن الآخرين لم يكونوا بمستواك.”
خاتمة: رسالة إلى كل قلب “مخذول”
يا من ضحيت ولم تجد الثمن، اعلم أن جحودهم لا يقلل من قيمة عطائك، بل يظهر فقر نفوسهم. لقد ربحت نفسك التي لا تُباع ولا تُشترى، وخسرت أناساً لا يستحقونك. تضحيتك لم تكن استثماراً خاسراً، بل كانت شهادة على إنسانيتك في زمنٍ عزّت فيه المبادئ.
لا تندم على طيبتك، فالورد لا يتوقف عن منح عطره حتى لو داسه المارة، لكن تعلم في المرة القادمة أن “لنفسك عليك حقاً”، وأن التضحية الحقيقية هي التي لا تتركك حطاما..
تحياتي.. رضا النادي…



