الذاتُ المُؤجَّلة: حين نُرجِئُ وجودَنا لِنُرضِيَ الآخرين

بقلم/ عصمت ماهر
في زاويةٍ خفيّةٍ من النفس البشرية، تجلسُ ذاتٌ صامتةٌ تنتظرُ دورَها الذي لا يأتي.
ذاتٌ أَجَّلت رغباتها لتُلبّيَ رغباتِ الآخرين،
وأرجأت أحلامَها لتتسعَ لأحلامِ من حولها،
وحبست صوتها كي لا يُزعج آذاناً اعتادت السكون.
هذه هي الذاتُ المؤجَّلة؛
تلك التي تعيشُ حياةً مُستعارة، وتؤدّي دوراً لم تكتبه،
وتموتُ ألفَ موتةٍ صغيرةٍ كلَّ يومٍ في سبيلِ قبولٍ لا يأتي إلا منقوصاً.
الذاتُ حين تصيرُ مرآةً للآخرين
الإنسانُ في جوهره كائنٌ علائقيّ، يُولَدُ محتاجاً إلى عينٍ تراه ليُدركَ أنه موجود.
غير أنّ هذه الحاجة، حين تنفلتُ من عقالها، تنقلبُ سجناً ناعماً.
فالطفلُ الذي تعلَّمَ منذ نعومةِ أظفاره أنّ الحبَّ مشروط..
مشروطٌ بالطاعة، بالتفوّق، بالصمت، بكتمانِ الغضب
يكبرُ وهو يحملُ في داخله معادلةً مُضمَرة:
“لا أستحقّ الوجودَ إلا بقَدرِ ما أُرضي.”
هكذا تنشأُ ما أسماه المحلِّلُ النفسيّ دونالد وينيكوت بـ”الذات الزائفة” (False Self)
قناعٌ يُبنى لحماية الذاتِ الحقيقيةِ من خطرِ الرفض،
فيُصبح هو الواجهةَ المعروضةَ للعالم،
بينما تُدفنُ الذاتُ الأصليّةُ في قبوٍ مظلم،
تنتظرُ إذناً بالخروج لا يصدرُ أبداً.
آليّةُ التأجيل: كيف نُسلِّم أنفسَنا قطعةً قطعة
التأجيلُ لا يحدثُ دفعةً واحدة،
بل بتنازلاتٍ صغيرةٍ لا يُحصيها أحد: “سأقولُ رأيي في المرّةِ القادمة”،
“لا بأس، يمكنني أن أتحمَّل”، “سأهتمُّ بنفسي بعدَ أن أنتهيَ من…”.
هذه الجملُ البريئةُ هي اللَّبِناتُ التي يُبنى بها جدارُ الاغترابِ الذاتيّ.
وفي علمِ النفسِ يُعرفُ هذا النمطُ بـ”استجابةِ الاسترضاء” (Fawn Response)، وهي إحدى استجاباتِ الصدمة الأربع.
فحين يتعلّمُ العقلُ أنّ السلامةَ لا تُنالُ بالمواجهةِ ..لا بالهروب، يكتشفُ طريقاً ثالثاً:
الذوبانُ في إرادةِ الآخر.
يصير الاسترضاءُ ميكانيزماً للبقاء، لكنه بقاءٌ بلا صاحب.
النظرةُ التي تأكلُ الوجود
كتبَ جان بول سارتر أنّ “الجحيمَ هو الآخرون”، لا لأنّهم أشرارٌ بطبعهم، بل لأنّ نظرتَهم إلينا تُحوِّلنا من ذواتٍ حرّةٍ إلى أشياءَ مُدركَة. حين نعيشُ لنُرضي الآخرين،
فإنّنا نمنحُهم سلطةَ تعريفنا، ونُسلِّمُهم مفاتيحَ كينونتنا.
نُصبحُ كما يُرادُ لنا أن نكون،
لا كما خُلقنا لنكون.
وفي هذا المعنى،
تتحوّلُ الذاتُ المؤجَّلةُ إلى ما سمّاه هيدغر بـ”الإنسانِ الذَّوّان” (Das Man): ذلك الذي يذوبُ في الجموع…
يقولُ ما يُقال، ويفعلُ ما يُفعل، ويُحبُّ ما يُحَبّ،
فيخسرُ أصالتَه في مقابلِ أمنٍ زائف.
ثمنُ التأجيل…
كلُّ تأجيلٍ لحقٍّ هو ضريبةٌ تُدفعُ من العمر.
يستيقظُ المؤجِّلون بعدَ سنواتٍ ليجدوا أنّ أحلامَهم صارت ذكرياتٍ لم تُعَش، وأنّ علاقاتِهم قائمةٌ على نسخةٍ مُشوَّهةٍ منهم لا يعرفُها أحدٌ سواهم، وأنّ أجسادَهم تحملُ الأعراضَ النفس-جسديّةَ لما لم يُقَل: الإرهاقَ المزمن، القلقَ، الصداعَ،
أمراضَ المناعةِ التي تهاجمُ صاحبَها كما يهاجمُ صاحبُها نفسَه.
وصفَ كيركغور هذا الحالَ بأنه “اليأسُ عن أن تكونَ ذاتَك”،
وهو في رأيه أعمقُ صورِ اليأسِ وأكثرُها فتكاً،
لأنّه يأسٌ لا يعرفُ صاحبُه أنّه فيه. إنه يأسٌ يرتدي ابتسامة.
العودةُ إلى الذات: ثورةٌ هادئة
استعادةُ الذاتِ المؤجَّلةِ ليست انقلاباً على الآخرين،
بل مصالحةٌ مع النفس.
تبدأُ من سؤالٍ بسيطٍ ومُربك:
ماذا أريدُ أنا؟
سؤالٌ قد يُذهلُ من اعتادَ ألا يطرحَه على نفسه قطّ،
حتى يكتشفَ أنّه نسي اللغةَ التي يُجيبُ بها.
ثمّ تأتي خطواتٌ متدرّجة…
أن نُصغيَ للجسدِ قبلَ اللسان،
فهو لا يكذب.
أن نتعلَّمَ “لا” بوصفها جملةً كاملة،
لا تحتاجُ إلى تبرير.
أن نُفرِّقَ بين الكرمِ والخوف،
وبين التضحيةِ والاختفاء.
أن نُدركَ أنّ الذين يُحبّوننا لذاتنا الحقيقيّةِ أكثرُ بكثيرٍ ممّا نتخيّل، وأنّ الذين يرفضونها كانوا سيرفضونها على أيّ حال.
في النهاية،
الذاتُ ليست شيئاً نملكُه فنُؤجِّله،
بل هي الحياةُ نفسُها وهي تجري فينا.
وكلُّ يومٍ نُؤجِّلُ فيه حضورَنا،
نُؤجِّلُ فيه الحياة.
ولأنّ الموتَ لا يُؤجَّل،
فإنّ الذي يُؤجِّلُ ذاتَه إنّما يُهدي عمرَه لمن لا يعرفون قيمتَه.
لا تكن ضيفاً في حياتك.
كن صاحبَها.
