قبل أن تقول اخترت… كان كل شيء قد اختير بالفعل

بقلم د/ ريهام زكي
هناك لحظة صغيرة تتكرر كل يوم…
تقول فيها: “أنا اخترت”.
اخترت أن تحب، تكره، تقتنع، ترفض، تشتري، تمضي، تسامح، تبتعد.
كل شيء يبدو كأنه قرار… وكل قرار تشعر أنه نابع منك.
لكن الحقيقة الأهدأ… والأخطر:
أنت لا تختار.
أنت تصل إلى نتيجة تم إعدادها لك مسبقًا… ثم تسميها قرارًا.
نحن نعيش في زمن لا يحتوي على كذب واضح.
لا أحد يقول لك “هذا خطأ” وهو يعلم أنه خطأ.
الأمر أصبح أكثر ذكاءً من ذلك بكثير.
الصواب نفسه بات متغيرًا.
والخطأ أصبح له مبررات.
وكل شيء يمكن تفسيره… حتى لم يعد هناك شيء يمكن حسمه.
في الماضي، كان الصراع واضحًا:
صواب في مواجهة خطأ.
أما الآن، فالصراع أصبح أكثر هدوءًا… وأكثر خطورة:
تفسيرات في مواجهة تفسيرات.
كل شيء له رواية.
وكل رواية لها منطق.
وكل منطق قادر على إقناعك… إذا قُدِّم لك بالشكل الصحيح.
لم يعد السؤال: “ما الحقيقة؟”
بل أصبح: “أي رواية وصلت إلى عقلك أولًا؟”
لم نعد نعرف الحقيقة من الكذب.
الكذب لم يعد كذبًا واضحًا…
بل أصبح يرتدي ثوب الحقيقة، ويتكلم بصوتها، ويطلب أن يُصدَّق.
والحقيقة لم تعد صلبة كما كانت…
أصبحت تُشبه الكذب إلى درجة أنها تُقابل بنفس الشك،
وأحيانًا بنفس الرفض.
لم يعد لدينا معيار ثابت نفصل به بينهما…
كل شيء قابل لأن يُقنع،
وكل شيء قابل لأن يُشوَّه.
لم نعد نختار بإرادتنا.
نحن نميل حيث يتم توجيهنا دون أن نشعر.
لا نتكلم بما نريد…
بل بما تعلّمنا أنه مقبول.
لا نحب كما نشعر…
بل كما تم تشكيلنا لنشعر.
أصبحنا لا نميز بين الصواب والخطأ ونحن نراهما بوضوح…
بل نتلقى تعريفات جاهزة لكل شيء دون الحق في مراجعة أي شيء.
المشكلة ليست أن العالم أصبح مشوشًا.
المشكلة أنك اعتدت على هذا التشوش…
لدرجة أنك أصبحت تشك في أي شيء واضح.
إذا شعرت بإحساس نقي… تسأل نفسك:
“هل هذا حقيقي؟ أم أنني متأثر بشيء ما؟”
وإذا اقتنعت بفكرة… تعود لتشكك فيها:
“هل هذا رأيي؟ أم أنني فقط سمعت ذلك كثيرًا؟”
أخطر ما حدث ليس أن الحقيقة ضاعت…
بل أنك لم تعد واثقًا أنك كنت تعرفها من الأساس.
نحن لم نعد نواجه الكذب فقط.
نحن نواجه نسخًا متعددة من الحقيقة.
كل نسخة قريبة بما يكفي لتُصدَّق…
وبعيدة بما يكفي لتُغيِّرك.
حتى مشاعرك…
التي كنت تظنها آخر ما تبقى صادقًا بداخلك…
أصبحت هي أيضًا قابلة للتشكيل.
تحب ما يتكرر أمامك.
تخاف مما يخاف منه الآخرون.
تتحمس لما يُصنع حوله ضجيج.
وتفقد شغفك… لا لأنك تغيرت،
بل لأنك امتلأت بأشياء ليست لك.
لست تائهًا لأنك ضعيف… بل لأن كل ما حولك تلاشى ثباته، فلم يعد هناك أرض تقف عليها، ولا حتى حقيقة يمكنك الإمساك بها.
وفي المنتصف… تحاول التمسك بأي شيء ثابت:
رأي، علاقة، فكرة، اتجاه…
“كلها تتبدل بسرعة مربكة… لا لخطئها، بل لأنها لا تملك جوهرًا ثابتًا.”
في الماضي، كانت الحرية تعني أن تختار.
أما الآن، فالحرية أصبحت أصعب بكثير:
فالحرية لم تعد في الاختيار… بل في مواجهة سؤال لا إجابة سهلة له:
ما الذي بقي منك فعلًا، وما الذي صُنِع فيك دون أن تدري.
نحن لا نفتقد فقط وضوح الحقيقة…
نحن نفتقد الاطمئنان نفسه.
ذلك الشعور البسيط بأن ما نراه يمكن الوثوق به،
وأن ما نختاره هو فعلًا اختيارنا،
وأن داخلنا مساحة حرة لا تُدار من الخارج بصمت.
حرية الاختيار لم تعد مفقودة بشكل مباشر…
بل أصبحت مغطاة بطبقة ناعمة من “الاحتمال”،
تجعل كل قرار يبدو حرًا… حتى وهو موجَّه.
وإذا كان الإنسان قد خُلق حرًا…
فلماذا تبدو حريته اليوم كأنها تعيش داخل إطار مرسوم مسبقًا؟
لماذا نشعر أننا نتحرك… لكن داخل مسارات لا نراها؟
لماذا تبدو حياتنا كأنها تُمارَس باسم حرية الاختيار… بينما جوهر الاختيار نفسه يذوب ببطء؟
متى نطمئن إذًا؟
ومتى يصبح القرار قرارًا لا ظلّ فيه لشيء آخر؟
متى نستطيع أن نختار بكامل إرادتنا…
دون أن نسأل بعد كل خطوة:
هل هذا أنا؟
أم أنني مجرد نتيجة لما تم زرعه داخلي بهدوء؟
القلق الحقيقي ليس في أننا لا نختار…
بل في أننا لم نعد نعرف متى يكون الاختيار حقيقيًا.
وفي هذا الغموض…
تصبح حرية الاختيار فكرة جميلة على السطح،
لكنها ثقيلة في العمق،
لأنها تجعلك تسأل سؤالا … هل لدينا حريه الاختيار حقًا، أم أننا عشنا عمرنا كله نظن ذلك؟!.
“وفي النهاية… لسنا مقيدين، نحن فقط لا نرى القيود.”
