التوازن البيئي بين الخصائص الطبيعية وتدخل الانسان

التوازن البيئي بين الخصائص الطبيعية وتدخل الانسان

التوازن البيئي بين الخصائص الطبيعية وتدخل الإنسان

بقلم :
الدكتور محمد يونس عبد الحليم
استاذ الاقتصاد وعميد كلية التجارة جامعة الأزهر
IMG 20211229 WA0086
إن الله عز وجل دبر الكون بنظام محكم ودقيق، وأودع في الأرض ثروات متعددة وجعل لكل عنصر في هذا الكون دوراً وقدراً، واستخلف الإنسان في الأرض وسخر له كل ما وجد فهيا، وأمره باستغلال مواردها الطبيعية لتلبية احتياجاته، ونهاه عن الإسراف وأمره بالاعتدال لما فيه تحقيق التوازن البيئي الذي يكفل الاستمرار لكل العناصر ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾[سورة الحجر: الآية 19]. هذا التوازن الذين يفترض أن يتحقق في علاقة الإنسان، بكل ما يتضمنه من فعاليات وأنشطة، بعناصر البيئة: الأرض والماء والهواء والكائنات الحية الأخرى. فالنبات كأحد الأنواع الحية على الأرض هو أصل الغذاء لكل من الإنسان والحيوان، وهو أحد المصادر الرئيسية في إعادة التوازن الطبيعي لمكونات الهواء الضروري للكائنات الحية وفي تنظيف الجو وتحسين البيئة.
والحياة الحيوانية في نظام التنوع الحيوي تزيد التربة خصوبة بفضلاتها وبقايا أجسادها وتساعد في التلقيح وتوزيع النباتات من خلال حركاتها وهجرتها، وفي بعض الحيوانات غذاء للبعض الآخر ومنافع للإنسان. والحيوانات مقدرة لإحساسها ومداركها الواعية وسلوكها وعلاقاتها الاجتماعية، فهي أمم مماثلة لعالم الإنسان، إذ قال سبحانه وتعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾[سورة الأنعام: الآية 38].
إن التنوع الحيوي الذي هو مجموع الكائنات الحية التي تعيش على كوكب الأرض، يجسد الحياة بأبعادها الواسعة، إذ أنه يمثل مورداً هاماً وضروري لحياة الإنسان والمخلوقات الأخرى وهو ما يطلق عليه اليوم باستمرارية موارد البيئة من أجل التنمية المستدامة. أن الله تعالى قد خلق من التضادات ما هو سر لديمومة الحياة في نظام محكم من التوازن، ليس بين الكائنات الحية فحسب وإنما أيضا بينها وبين عناصر الطبيعة في تفاعل وتبادل لاستمرارية الحياة إلى أن يأذن الله جلت قدرته، إذ قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾[سورة القمر: الآية 49]. وهذا يتطلب المحافظة على هذا الاتساق في هذه الموارد وتنميتها لذاتها من ناحية ولأهميتها كموارد حية فريدة لا يستعاض عنها لمنفعة الإنسان وغيره من الخلق من ناحية أخرى. ولكن أنانية الإنسان وحب الذات قد انعكست في نتائجها السلبية على هذا التوازن والذي بدأ يعاني نفسه منها كرد فعل عن ممارسات لا تتوافق والنظام الطبيعي للكون.
فالإنسان هو أحد العوامل المهمة في النظام البيئي، فإذا تدخل في هذا التوازن الطبيعي دون وعي أو تفكير اختل هذا التوازن، وهو القادر أيضا على تغيير شكل البيئة الطبيعية التي يعيش فيها، هذه القدرة شهدت تطور نوعي وخاصة بعد الثورة الصناعية، إذ أن التطور العلمي للإنسان وتطوره الصناعي والحضاري قد سخره الإنسان لمصالحه الخاصة دون أن يتعامل مع الموارد الطبيعية بتعقل وحُسن تصرف حفاظاً على عناصر النظام البيئي، بل كثف جهوده وإمكاناته تلك في استثمار هذه الموارد بكثافة للحصول على أقصى منفعة وبأسرع فترة زمنية بما يؤدي إلى استغلال الموارد الموجودة أسوأ استغلال بفعل الزيادة في كثافة السكان، في النشاطات الصناعية والزراعية وفى استعمال المخصبات والمبيدات الحشرية، واستنزاف الموارد، كل ذلك أحدث خلل في التوازن الطبيعي، وامتدت آثاره على جميع الكائنات، ولا يقتصر هذا التأثير على الزمن الحاضر بل قد يمتد لينال الأجيال القادمة.
إن التلوث مشكلة بيئية ذات اهتمام خاص لأن آثارها الضارة شملت الإنسان نفسه وممتلكاته، وأخذت بالكثير من الأنظمة البيئية السائدة. ويوصف التلوث بأنه الوريث الذي حل محل المجاعات والأوبئة وخاصة بعد الثورة الصناعية. فالإنسان في عصر ما قبل الثورة الصناعية لم يتعرض لمشكلة التلوث، لأن كل مخلفات نشاطه كانت مما تستطيع الدورات الطبيعية في الأنظمة البيئية أن تستوعبه وتحويه في مسلسل تحولاتها. ولكن تطور الحياة والتقدم التكنولوجي واستعمال المواد الكيماوية وحدوث الكوارث وغيرها، أدى إلى اختلال في التوازن البيئي، الأمر الذي ينتج عنه الكثير من المشكلات البيئية ومنها التلوث بأشكاله المختلفة.
لقد أصبح تلوث الهواء والماء والتربة خطراً يهدد الحياة البشرية والكائنات الأخرى، لذلك وجب على الإنسان السعي الجاد في إصلاح هذا الاختلال في توازن عناصر النظام البيئي من خلال الإجراءات المسبقة في استغلال بيئته بشكل يوازن استمرار عمل النظم البيئية الطبيعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى