غرباء بين بدايه لم تحدث ونهايه لا تآتي..

غرباء

د/ عصمت ماهر

لا مكان لنا…

هناك أناس يعيشون الحياة…

وهناك أناس يمرّون بجوارها فقط.

كأنهم ظلال تأخرت عن أصحابها.

كأن أرواحهم وصلت إلى العالم… لكنهم هم لم يصلوا أبدًا.

نحن منهم.

نحن الذين نسينا أن نولد.

لم نأتِ للحياة كما ينبغي.

لم نصرخ صرخة البداية الحقيقية.

دخلنا العالم بأجساد مكتملة… وأرواح مرتبكة.

كبرنا بسرعة، قبل أن نفهم لماذا جئنا أصلًا.

تعلّمنا كيف نُجامل، كيف نبتسم، كيف ننجو…

لكن لم يعلمنا أحد كيف نكون أنفسنا.

فصرنا نعيش بنصف قلب،

ونتكلم بنصف صوت،

ونحب بنصف روح.

ثم مرّ العمر.

وكلما سألنا أنفسنا:

“أين مكاننا؟”

أشارت الحياة إلى الزحام… لا إلينا.

كأن العالم صُمم للآخرين.

للذين يعرفون ماذا يريدون.

للذين ينامون دون حرب داخلية.

للذين يشعرون أن الأرض تحت أقدامهم حقيقية.

أما نحن…

فكنا دائمًا غرباء حتى داخل أسمائنا.

نجلس وسط الناس ونشعر أننا خارج المشهد.

نضحك أحيانًا فقط حتى لا يلاحظ أحد كمية الخراب التي بداخلنا.

نعتاد فكرة التأجيل…

تأجيل الفرح،

تأجيل الراحة،

تأجيل الحياة نفسها.

وكأننا ننتظر شيئًا مجهولًا سيأتي يومًا ليخبرنا:

“الآن فقط… يمكنك أن تبدأ.”

لكن السنوات لا تنتظر المترددين.

إنها تمشي فوق أرواحهم ببطء مؤلم.

ثم نكتشف الحقيقة المرعبة…

أننا لم ننسَ فقط كيف نولد،

بل نسينا أيضًا كيف نموت.

لا نحن أحياء بالكامل،

ولا نحن راحلون بالكامل.

معلّقون بين بداية لم تحدث…

ونهاية لا تأتي.

نجرّ أيامنا كأنها أكياس ثقيلة مليئة بأشياء لم نعشها أصلًا.

ذكريات لم تكتمل.

مشاعر مخنوقة.

كلمات لم نقلها خوفًا من ألا يفهمنا أحد.

ولهذا نتعب بسرعة.

ليس لأن الحياة قاسية فقط…

بل لأننا نحمل داخلنا حياة أخرى لم تُعش أبدًا.

الطريق بين الميلاد والموت كان يفترض أن يكون “حياة”…

لكن ماذا لو ضاع الطريق؟

ماذا لو استيقظ الإنسان يومًا ليكتشف أنه قضى عمره كله يحاول فقط أن يشعر بأنه حقيقي؟

بعضنا لا يريد الكثير.

لا يبحث عن مجد، ولا ضوء، ولا انتصار عظيم.

كل ما يريده…

مكان صغير يشعر فيه أن روحه لا تحتاج للدفاع عن نفسها.

لكن حتى هذا يبدو بعيدًا أحيانًا.

ولهذا نميل إلى الصمت.

الصمت الطويل الذي يشبه الغرق البطيء.

نراقب العالم يتحرك…

ونقف نحن في المنتصف، بلا اتجاه واضح، بلا يقين، بلا انتماء كامل.

لا مكان لنا…

لأننا لم نتعلم يومًا كيف نحتل مساحة في هذا العالم دون خوف.

كنا دائمًا نعتذر عن وجودنا،

عن مشاعرنا،

عن حساسيتنا الزائدة،

عن أحلامنا التي بدت “أكثر مما ينبغي”.

وفي النهاية…

تحولنا إلى أشخاص يعرفون كيف يختفون ببراعة.

لكن الحقيقة المؤلمة ليست أننا ضائعون.

الحقيقة…

أن بداخل كل واحد منا شخصًا كان يمكن أن يكون حيًا جدًا،

لو لم يُجبر منذ البداية على الاختباء.

وربما…

كل هذا التعب الذي نشعر به ليس اكتئابًا دائمًا،

بل حنينٌ مرعب…

إلى أنفسنا التي لم تولد بعد .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى