نادية هارون تكتب: من “بعت حياتي” إلى “أسد” و “الست”

عندما شاهدت فيلم “بعت حياتي” لعبد الحي أديب وهو فيلم مصري تركي بطولة فريد شوقي، إنتاج 1973، لفت إنتباهي أن قصته إعادة تركيب ودمج  لفيلمي “الطريق المستقيم” و”قلبي على ولدي”، لم يكن الأمر مجرد تشابه عابر، بل نموذجاً مبكراً لظاهرة أصبحت أكثر إنتشاراً مع مرور الوقت، إعادة تدوير الأفكار والحبكات بدلاً من إنتاج رؤى جديدة، وهو ما نراه في الدراما أيضا.

هذه الملاحظة جعلتني أتساءل، هل بدأت أزمة السينما المصرية في السبعينيات، أم أن ما حدث كان تحولاً أعمق في بنية الصناعة نفسها؟، ففي الخمسينيات والستينيات كانت السينما المصرية في ذروتها الثقافية، حيث إرتبطت بالفكرة والرؤية أكثر من إرتباطها بالوصفة التجارية، أفلام مثل “الأرض” و”شيء من الخوف” و”الكرنك” و”أريد حلاً” و”البريء” لم تكن مجرد قصص، بل تعبيراً عن مجتمع يطرح أسئلته بوضوح.

لكن مع السبعينيات بدأ التحول، فتراجع دور الدولة في الإنتاج، وصعد منطق السوق، وبدأت السينما تميل إلى الأمان الفني بدل المغامرة، هنا ظهرت إعادة تدوير الحبكات، كما في نماذج مثل “بعت حياتي”، ليس كنسخ مباشر، بل كإعادة تركيب لأفكار مجربة.

في العقود التالية، أصبح النمط أكثر وضوحاً، وفي الثمانينيات “أفلام المقاولات”، وفي التسعينيات والألفية سيطرة النجم، وفي السنوات الأخيرة مزيج من الأكشن السريع والكوميديا التجارية وإعادة إنتاج أفكار قديمة بصيغ حديثة، بحجة ما يُطرح دائماً للتبرير الجاهز “الجمهور عاوز كده”، لكن التجربة تقول عكس ذلك، فالجمهور نفسه الذي يُختزل أحياناً في صورة الباحث عن الترفيه السريع، هو الذي إحتضن أفلاماً ذات قيمة فكرية ووطنية، وهو أيضاً الذي تفاعل مع أعمال حديثة مثل “أولاد العم” و”الممر”، ما يعني أن المشكلة ليست في ذوق الجمهور، بل في ما يُعرض عليه من تنوع وجَودة.

وفي المقابل، بعض الأعمال الحديثة مثل “أسد” و”الست” تطرح سؤالاً مهماً، هل تكفي الميزانيات الضخمة ونجومية الأبطال لضمان النجاح؟ أم أن السينما تظل في النهاية معادلة متكاملة، لا ينجو فيها عمل إذا إختل أحد عناصره الأساسية، خصوصاً الكتابة والرؤية؟.

هكذا يتضح أن الأزمة ليست في عنصر واحد، بل في إنتقال طويل من “سينما الفكرة” إلى “سينما الوصفة المجربة”، حيث أصبح السؤال غالباً، ما الذي ينجح تجارياً؟ بدل، ما القصة التي تستحق أن تُروى؟.

وفي النهاية أقول أن السينما لا تصنع الجمهور، لكنها تعكسه وتؤثر فيه في الوقت نفسه، فهي جزء من الوعي الجمعي، وعندما تضعف قدرتها على تقديم قصص متماسكة وجادة، يتأثر الخيال العام تدريجياً، ليس لأن الجمهور فقد وعيه، بل لأن مساحة الإختيار نفسها أصبحت أضيق وأكثر تكراراً.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى