ولاء عزت تكتب: ماريا عروس السماء…. أثر أقوي من العمر

حين أخجلتنى ماريا من نفسى
كانت البداية عابرة للغاية، مجرد منشورات فكاهية أتابعها بين الحين والآخر على صفحة أحد أصدقاء الفيسبوك، وأستعير بعضها أحيانًا كما نفعل جميعًا مع الأشياء التي تمنحنا ابتسامة سريعة وسط زحام الأيام.
لكن في لحظة واحدة تبدل كل شيء.
فجأة، ومن دون مقدمات، ظهر أمامي منشور نعي يحمل كلمات لم تكن كغيرها من كلمات الرثاء، ينعى فيه الأب “عروس السماء” ابنته الوحيدة ماريا. لم يكن الخبر وحده هو ما استوقفني، بل كانت كلماته التي هزت قلبي هزًا، وخاصة حين طلب من الجميع ألا يرتدوا الملابس السوداء في عزائها.
توقفت طويلًا أمام هذه العبارة. شعرت أن وراءها حكاية أكبر من مجرد وداع، وأن خلف هذا الحزن يقف أب يحاول أن يترجم مشاعر لا تستطيع الكلمات أن تحمل ثقلها.
وبدافع من التأثر، أخذت أتجول بين التعليقات ومنشوراته عنها، أقرأ هنا وأتأمل هناك، قطعة تلو الأخرى، ذكرى تلو الأخرى، حتى وجدتني أغوص داخل عالم مختلف تمامًا.
ومع كل سطر كنت أقرؤه، كانت صورة ماريا تتشكل أمامي شيئًا فشيئًا، حتى خُيّل إليّ أنني لا أتابع سيرة فتاة عاشت بين الناس ثم رحلت، بل أشاهد مشاهد من فيلم “الاعتراف الأخير”، ذلك الفيلم الذي جعل بطله يطارد طيفًا ترك في روحه من الأسئلة أكثر مما ترك من الإجابات.
حينها تسلل إلى نفسي سؤال غريب، ربما يبدو غير منطقي، لكنه كان أقوى من أن أتجاهله:
هل كانت ماريا فتاة عادية مثل سائر البشر؟ أم أنها جاءت إلى هذه الدنيا لرسالة ما، ثم رحلت بعدما أتمتها؟
هل كانت مجرد إنسانة مرت من هنا، أم أنها كانت أشبه بذلك الزائر الجميل الذي يترك أثره في القلوب ثم يختفي، تاركًا خلفه حيرة لا تقل عن الحزن، وأسئلة لا تقل عن الدموع؟
ومنذ تلك اللحظة، بدأت رحلة البحث عن ماريا… لا لأعرف كيف رحلت، بل لأفهم كيف استطاعت، في عمر قصير، أن تترك هذا الأثر العميق في كل من عرفها أو حتى مرّ على حكايتها مرورًا عابرًا.
ومع استمرار رحلة البحث بين كلمات أبيها ومقاطعها المصورة، بدأت ملامح ماريا الحقيقية تتكشف أمامي شيئًا فشيئًا.
وهنا تحديدًا بدأت أشعر بالخجل من نفسي.
كم مرة ظننت أنني تحملت الكثير من قسوة الحياة؟ وكم مرة تصورت أن بعض ما مررت به كان فوق الاحتمال؟
لكنني كلما قرأت منشورًا عنها، أو استمعت إلى فيديو تتحدث فيه بصوتها الهادئ، اكتشفت أن ما كانت ترويه ليس مجرد قصة مرض، بل قصة إنسان اختار أن يرى النور في أكثر الأماكن ظلمة.
الأغرب أنها لم تكن تتحدث عن أوجاعها باعتبارها مآسي، ولم تكن تستعرض حجم معاناتها لتستجلب الشفقة، بل كانت تتحدث عنها باعتبارها رحلة نجاح، ورسالة أمل، ودعوة دائمة للتفاؤل.
ومن خلال كلماتها بدأت حكايتها تتشكل أمامي.
حكاية طفلة لم تتجاوز الرابعة من عمرها، سقطت على الأرض كما يسقط آلاف الأطفال كل يوم، لكن ذلك السقوط البسيط كان بداية رحلة طويلة بين الأطباء والأشعات والتحاليل، حتى جاءت الحقيقة الصعبة وهي في السادسة من عمرها: سرطان العظام.
وما أوجعني أكثر أنها روت أنها كانت تشعر بآلام في عظامها قبل اكتشاف المرض بفترات طويلة، لكنها لم تكن تشتكي. لم تكن تعلم أن هناك أمرًا غير طبيعي يحدث داخل جسدها الصغير، بل كانت تظن أن ما تشعر به هو ما يشعر به الجميع، وأن هذا الألم جزء عادي من الحياة.
أي طفولة تلك التي نشأت وهي تظن أن الوجع هو الوضع الطبيعي للإنسان؟
كبرت ماريا، لكن المرض لم يغادرها.
وفي الوقت الذي كانت فيه فتيات كثيرات يحلمن بالدراسة أو السفر أو المستقبل، كانت هي تخوض معارك متلاحقة داخل غرف العمليات.
وعندما بلغت الثامنة عشرة من عمرها، كانت قد اجتازت إحدى عشرة عملية جراحية من أصعب وأخطر العمليات، بعضها استغرق ساعات طويلة، حتى إن التخدير نفسه كان يفتح أمامها أبوابًا جديدة من المعاناة والمتاهات الصحية. ومع ذلك لم تكن الرحلة قد انتهت، إذ كانت لا تزال تنتظر ثلاث عمليات أخرى أو أكثر، وفقًا لاستجابة جسدها للعلاج.
وفي السن نفسها أصبحت أصغر سفيرة للدعم النفسي في مؤسسة “فاهم”، وكأن الله أراد لمن عاشت الألم أن تصبح مصدرًا للقوة لمن يتألمون.
أما أكثر ما هزني في قصتها، فلم يكن عدد العمليات ولا اسم المرض، بل ذلك التفصيل الصغير الذي قد يمر عليه كثيرون مرورًا عابرًا.
ماريا، منذ نعومة أظافرها، لم تعرف المعنى الحقيقي للراحة التي نبحث عنها جميعًا في النوم.
فالناس تنام هربًا من التعب، أما هي فكان الألم يرافقها في يقظتها ومنامها معًا.
كانت تُثبَّت أحيانًا في وضع محدد حتى تستطيع النوم. لا مجال للحركة. لا مجال للتقلب. لا مجال لعطسة مفاجئة أو كحة عابرة. حتى الأشياء البسيطة التي يمارسها البشر دون أن يشعروا بقيمتها، كانت بالنسبة لها تحديًا جديدًا ومعركة جديدة.
وهنا وجدت نفسي أعود إلى ذلك السؤال الذي راودني منذ البداية:
كيف استطاعت هذه الفتاة أن تحمل كل هذا القدر من الوجع، ثم تخرج إلى الناس بابتسامة، وبكلمات مفعمة بالأمل؟
وكيف لإنسان عاش عمره كله تقريبًا بين الألم والعمليات والمستشفيات أن يكون هو نفسه من يواسي الآخرين ويمنحهم القوة على الاستمرار؟
ثم علمت أن ماريا لم تكن مجرد ابنة أحبها والداها، بل كانت حلمًا انتظراه والديها اثني عشر عامًا كاملة من الشوق والدعاء والرجاء.
اثنا عشر عامًا من الانتظار، ثم جاءت إليهما طفلة لم تمنحها الحياة طريقًا سهلًا ولو ليوم واحد.
كانت تتلقى جلسات العلاج الكيماوي وتتحمل.
وكانت ترى زميلاتها يذهبن إلى مدارسهن كل صباح، بينما كانت مدرستها الحقيقية غرف المستشفيات، ومواعيد الأطباء، وأبواب غرف العمليات.
لم تعرف الشارع كما نعرفه نحن، ولم تعرف الخروج العادي كما يعرفه سائر البشر.
كانت حياتها دائرة ضيقة بين المنزل والمستشفى وغرفة العمليات.
وحتى تلك الرحلات الاستثنائية القليلة بسيارة والدها لم تكن نزهة أو فسحة كما يفعل سائر الناس، بل كانت في طريقها إلى المستشفى أيضًا، تراقب الشارع من خلف النافذة وهي في وضع النوم، وكأن العالم يمر أمام عينيها مرورًا عابرًا دون أن تتمكن من العيش فيه كباقي الأطفال.”بل المشهد المعتاد فكان سيارة الإسعاف، لأن الأصل في حياتها لم يكن الحركة، بل الألم، ولم يكن الجري خلف الأحلام، بل محاولة التعايش مع الوجع.
وكان المرض يترك بصماته الواضحة على جسدها الصغير؛ شعر يتساقط، وبشرة شاحبة، وصحة أنهكها العلاج، وساق أقصر من الأخرى “وكان الجزء التعويضي المثبت خارج الحذاء ظاهرًا لكل من يراها، يروي بصمتٍ ما عجزت الكلمات عن وصفه من ألم الرحلة وطول الطريق.”، وعصا تستند إليها في خطواتها.
لكن العجيب أن كل ذلك كان يخص الجسد فقط.
أما الروح، فكانت شيئًا آخر تمامًا.
وحين شاهدت لقاءاتها التلفزيونية بعد أن تجاوزت مرحلة العلاج الكيماوي، بينما كانت لا تزال تخوض معارك العمليات الجراحية، أقسم أنني لم أرَ مريضة تحكي عن مرضها، بل رأيت قمرًا جميلًا يروي حكاية مؤلمة بوجه يفيض نورًا ورضًا.
رأيت فتاة تتحدث عن نفسها وكأنها تتحدث عن شخص آخر، بلا شكوى، بلا سخط، بلا اعتراض.
وكان أغرب ما شعرت به أنني لم أكن أستمع إلى قصة تُروى، بل كنت أشعر وكأن صاحبة القصة نفسها عادت للحياة لتحكيها لي.
وكم مرة وجدت نفسي أتمتم دون أن أشعر:
من أنتِ يا ماريا؟
كم مرة جئتِ إلى هذه الدنيا لتحملي للناس درسًا ثم ترحلي؟
وهل أنتِ حقًا بشر مثلنا؟
لقد رأيت شابة رقيقة، جميلة الملامح، ناضجة الفكر، لبقة الحديث، متزنة المشاعر، واسعة الثقافة، ثابتة على نحو يفوق عمرها بسنوات طويلة.
فكنت أتساءل في دهشة:
متى تعلمتِ كل هذا؟
وأين وجدتِ كل هذه الحكمة، بينما كانت معظم أيامك موزعة بين الألم والعلاج والعمليات؟
ثم وجدت الإجابة في مكان آخر…
وجدتها في ذلك الأب العظيم، وتلك الأم العظيمة، اللذين لم ينشئا ابنة فقط، بل صنعا إنسانًا استثنائيًا استطاع أن ينتصر على المرض دون أن يسمح له أن يهزم روحه.
وفي خضم كل هذه الانتصارات، وبعد كل تلك المعارك التي خاضتها بشجاعة نادرة، حدث ما لم يكن في الحسبان.
لم تتوقف رحلة ماريا داخل غرفة عمليات.
ولم تنتصر عليها جلسة علاج.
ولم يهزمها ما هزم أجسادًا كثيرة.
بل توقف قلبها فجأة في يوم دراسي عادي داخل الجامعة، تلك الجامعة التي دخلتها بمنحة المتفوقين، وكأن القدر اختار أكثر اللحظات هدوءًا ليكتب الفصل الأخير من الحكاية.
وعندها عدت إلى السؤال الأول…
ذلك التحدي الذي وضعته لنفسي منذ أن قرأت نعيها للمرة الأولى.
لقد قلت إنني سأبحث حتى أعرف: هل كانت ماريا بشرًا مثلنا أم شيئًا يفوق قدرتنا على الفهم؟
واليوم، وبعد كل ما قرأته، وبعد كل ما شاهدته، أعترف أنني فشلت.
نعم… فشلت في هذا التحدي.
كلما اقتربت من الإجابة، ازدادت الحيرة.
وكلما قرأت عنها أكثر، شعرت أنني أعرفها أقل.
ولهذا تمنيت لو كنت في عهد نبي الله سليمان عليه السلام.
تمنيت لو أرسل الهدهد في رحلة جديدة، لا إلى سبأ هذه المرة، بل إلى ذلك العالم الذي آتت منه ورحلت إليه ماريا.
تمنيت لو عاد إلينا بخبرٍ لم نؤتَ به علمًا.
يخبرنا: من كانت هذه الفتاة حقًا؟
كيف استطاعت أن تحمل كل هذا الألم دون أن تفقد ابتسامتها؟
وكيف استطاعت أن تمنح الأمل لغيرها بينما كانت هي أكثر الناس احتياجًا إليه؟
لكن الهدهد لن يأتي.
والأسئلة ستبقى معلقة.
وسيظل كل ما نملكه هو أثرها.
ذلك الأثر الذي جعل فتاة في العشرين من عمرها ترحل بجسدها، بينما تبقى سيرتها حية في قلوب لم تعرفها يومًا، لكنها أحبتها وبكت عليها وكأنها واحدة من أهلها.
رحلت ماريا…
لكن بعض الأرواح لا تغادر حقًا.
تغيب عن العيون فقط، وتبقى شاهدة على أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بما يتركه الإنسان من نور في قلوب الآخرين.
ولعل هذا هو السر الوحيد الذي استطعت الوصول إليه بعد رحلة البحث كلها…
أن ماريا لم تكن أطول الناس عمرًا، لكنها كانت من أولئك النادرين الذين مروا على الدنيا مرورًا قصيرًا… وتركوا وراءهم أثرًا أطول من العمر نفسه.
** ظننت أنني انتهيت.
بعد أن أرسلت المقال إلى والد ماريا لأعرف رأيه، كنت أعتقد أنني وصلت إلى آخر الصفحة في هذه الحكاية، وأنني جمعت ما استطعت جمعه من خيوطها المتناثرة.
لكنني اكتشفت أنني لم أكن في نهاية الرحلة… بل في منتصفها فقط.
أثنى والدها على المقال بكلمات أسعدتني، ثم دار بيننا حديث هاتفي طويل، وخلاله فُتح أمامي ملف جديد بالكامل، وكأن ماريا قررت أن تمنحني فصلًا آخر من حكايتها بعد رحيلها.
فجأة اكتشفت أن كل ما عرفته عنها كان جزءًا من الصورة فقط.
أين كتبت عن الفتاة التي أصرت على دخول الثانوية العامة كأي طالبة عادية، رغم أن ظروفها الصحية كانت كفيلة بأن تدفع أي إنسان للبحث عن الطريق الأسهل؟
وأين كتبت عن إصرارها على الالتحاق بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، ورفضها أن تعتمد على استثناء أو معاملة خاصة؟
وأين كتبت عن العامين الأخيرين من حياتها، اللذين بدآ وكأنهما إعلان انتصار جديد على كل ما سبق؟
علمت أنها لم تكتفِ بدراسة إدارة الأعمال بالأكاديمية البحرية، بل كانت تدرس في الوقت نفسه الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة لندن، وكأن الطفلة التي عاشت بين غرف العمليات أرادت أن تعوض عمرًا كاملًا في سنوات قليلة.
ولم يكن انتقالها إلى الأكاديمية البحرية رغبةً في طريق أسهل، بل جاء بعد محاولات طويلة من والديها لإقناعها، بعدما أصرت في البداية على استكمال دراستها بجامعة القاهرة. فقد كانت مشقة الانتقال اليومي تمثل عبئًا إضافيًا على جسد أنهكته سنوات المرض والعلاج، حتى اقتنعت أخيرًا بالانتقال إلى الأكاديمية لقربها من محل سكنها، دون أن تتنازل عن طموحها أو تفوقها.
وعلمت أنها حصلت على منحة ساويرس، وكانت عضوًا نشيطًا في الأنشطة الجامعية المختلفة، تشارك في المبادرات والفعاليات وتترك أثرًا أينما ذهبت.
ولم تتخلَّ في الوقت نفسه عن رسالتها التي آمنت بها، فكانت تحرص على أداء دورها كسفيرة للدعم النفسي ومحاربة التنمر، وتشارك في فعاليات مؤسسة “فاهم” رغم دراستها الشاقة وظروفها الصحية.
لكن أكثر ما أثر فيَّ لم يكن نجاحها الدراسي.
بل الحلم الذي كانت تحمله في قلبها.
كانت تتحدث دائمًا مع والدها عن رغبتها في مساعدة الأطفال الذين خاضوا رحلة المرض والعلاج الطويل مثلها، أولئك الذين يعودون إلى المجتمع بعد سنوات من العزلة فيجدون أنفسهم غرباء عنه.
فهي نجحت في الاندماج، لكنها كانت تعرف أن كثيرين غيرها لا يستطيعون ذلك، وكانت تحلم بأن تمد لهم يدًا تعينهم على النجاح والعودة إلى الحياة من جديد.
وحين سألني والدها:
“من أين أتيتِ بكل هذه التفاصيل؟”
أجبته ببساطة:
من ماريا نفسها.
من صورها.
ومن مقاطع الفيديو التي تركتها.
ومن كلماتها المتفرقة.
لقد عشت معها تفاصيلها الصغيرة وكأنني أعرفها منذ سنوات.
كنت أراها تتحدث فأصدقها، وأسمعها فأشعر أنني أرافقها خطوة بخطوة.
حتى خُيّل إليَّ أحيانًا أنني أعيش بالفعل أحداث فيلم “الاعتراف الأخير”.
كانت ماريا هي نيللي…
وكنت أنا نور الشريف.
أطارد الحكاية وأبحث عن الحقيقة وأجمع القطع المبعثرة من الصورة.
ثم صحوت على المفاجأة الكبرى.
المفاجأة التي لم تكن رحيلها فقط.
بل أن فتاة لم تعش سوى عشرين عامًا استطاعت أن تترك خلفها كل هذا الأثر.
وقبل أن ينتهي الحديث أضاف والدها معلومة صغيرة بدت للوهلة الأولى مجرد رقم.
قال إن فرق الطول بين ساقيها كان أربعة عشر سنتيمترًا.
أربعة عشر سنتيمترًا كاملة…
رقم قد يقرأه البعض ويمر عليه سريعًا، لكنني توقفت أمامه طويلًا.
لأنني تذكرت تلك الفتاة التي كانت تبتسم أمام الكاميرا، وتتحدث عن الأمل، وتخطط للمستقبل، وتحصد التفوق والنجاح، بينما كانت تحمل على جسدها ما يكفي ليكسر كثيرين.
ثم فهمت أخيرًا لماذا كان نصف طلاب الأكاديمية تقريبًا، ومعهم عدد كبير من أساتذتها، حاضرين يوم وداعها الأخير، أو كما يحب والداها أن يسمياه: “يوم زفافها”.
وفهمت لماذا كان والدها يقول عنها بجملة واحدة تختصر الدنيا كلها:
“ماريا… فخر عمري.”
وخلال حديثي مع والديها عرفت تفصيلًا آخر هزني من الداخل.
رحلت ماريا فجأة في يوم دراسي عادي.
وكان آخر اتصال بينها وبين والدتها التي كانت تستعد للمرور عليها بالسيارة ليعودا إلى المنزل كعادتهما.
لكن ماريا قالت فجأة أثناء المكالمة:
“استني يا ماما… في حاجة غريبة بتحصل.”
وكانت تلك من آخر كلماتها.
ثم رحلت.
رحلت عن الدنيا، لكنها لم ترحل عن قلوب كل من عرفها أو سمع حكايتها.
والمفارقة التي أدهشتني أكثر أنني علمت من والديها أن التاسع عشر من يونيو هو يوم ميلادها.
فشعرت أن أجمل هدية يمكن أن تُقدم لماريا ليست ورد أوكلمات رثاء، بل أن يعرف الناس من كانت ماريا.
أن يعرفوا أن خلف هذا الاسم قصة صبر، ورسالة أمل، وعمرًا قصيرًا امتلأ بما يكفي لعدة أعمار.
وأعترف أنني كلما انتهيت من الكتابة، شعرت أن الحكاية لم تنتهِ بعد.
وكأن ماريا لم تكن مجرد فتاة أكتب عنها، بل رسالة جاءت تبحث عمّن يحملها إلى الآخرين.
بل إنني أحيانًا أشعر وكأنها كانت تجلس إلى جواري طوال رحلة الكتابة، تنتقل بي من صورة إلى صورة، ومن ذكرى إلى أخرى، وتفتح أمامي أبوابًا ظننت أنها أُغلقت.
وقبل أن ينتهي حديثي مع والديها، أخبراني أن إحدى خواطر ماريا كانت قد طُبعت على “بوك مارك” ووزعت يوم الأربعين.
توقفت أمام كلماتها طويلًا، ليس لأنها كلمات فتاة في العشرين من عمرها، بل لأنها كلمات إنسان تصالح مع الحياة والألم والرضا بصورة يصعب فهمها.
كتبت ماريا تقول:
“في أيام من كتر حلاوتها تشعر إنها حلم جميل مش عايز تصحى منه…
وأيام من كتر قسوتها تحسها كابوس مش قادر تصحى منه…
لكن في الحالتين: أنت نايم…
نايم في حضن رحمة ربنا.”
— ماريا هشام
وأعترف أنني بعدما قرأت هذه الكلمات، فهمت شيئًا من سر ماريا.
فهي لم تكن تنتصر على المرض بقوة الجسد، بل بقوة الرضا.
ولم تكن ترى الحياة كما نراها نحن، بل كانت تراها بعينٍ تعرف أن الرحمة الإلهية تحيط بالإنسان في الفرح كما تحيط به في الألم.
ولهذا ما زلت أعترف أنني فشلت في التحدي.
بحثت بين الصور.
وبين الكلمات.
وبين الذكريات.
وبين منشورات الأب التي كانت أول الطريق.
ولم أصل إلى إجابة.
ولهذا ما زلت أنتظر الهدهد.
لا ليخبرني أين ذهبت ماريا…
بل ليخبرني كيف استطاعت فتاة في عشرين عامًا فقط أن تعيش حياةً أوسع وأعمق من أعمارٍ كاملة.
وربما لو عاد الهدهد هذه المرة، فلن يحمل إليَّ خبرًا جديدًا.
لأنه سيكتشف ما اكتشفناه جميعًا…
أن بعض البشر يرحلون مبكرًا، لكنهم يتركون خلفهم من النور ما يجعل الغياب نفسه عاجزًا عن إخفائهم.
وأن بعض الرسائل لا تنتهي برحيل أصحابها… بل تبدأ.
** وإذا وصلتَ إلى هذه السطور الأخيرة، فلا أطلب منك دعاءً لماريا فحسب، بل أطلب منك أن تساعد في إبقاء رسالتها حيّة.
شارك هذه الحكاية على صفحتك، أو في أي مجموعة تراها مناسبة، فربما تصل قصة ماريا إلى قلب متعب فيستمد منها أملًا، أو إلى مريض يظن أنه لم يعد قادرًا على المواصلة، أو إلى أبٍ وأمٍّ يبحثان عن بصيص نور وسط رحلة علاج طويلة.
ماريا لم تترك وراءها مالًا ولا منصبًا، لكنها تركت أثرًا يستحق أن يُروى.
فإن رأيت أن قصتها لامست قلبك، فلا تجعلها تتوقف عندك.
دعها تكمل رحلتها إلى قلوب أخرى.
فربما كانت هذه هي الرسالة التي جاءت من أجلها… وربما كان هذا هو الامتداد الحقيقي لعمرٍ قصيرٍ امتلأ بما يكفي لعدة أعمار.






