“الجرح الغائر الذي لا ينزف خلف الجدار الثلجي… الانعزال العاطفي”
عندما لا تشعر بأي شئ.... رغم أنك تتذكر كل شيء (الحلقة السابعة من سلسلة: آليات الدفاع النفسي

“الجرح الغائر الذي لا ينزف خلف الجدار الثلجي… الانعزال العاطفي”
(عندما لا تشعر بأي شئ…. رغم أنك تتذكر كل شيء)
بقلم: د/سارة العناني
(الحلقة السابعة من سلسلة: آليات الدفاع النفسي)
مقدمة:
في الحلقة الماضية، تحدثنا عن “الكبت”، ذلك القبو المظلم الذي يخفي العقل بداخله الذكريات المؤلمة.
فهل تساءلت يوماً عن الذكريات التي لم تُخفَ بعد؟
أين تذهب رغم أننا نعرفها ونسردها بتفاصيلها جيداً و بالرغم من ذلك لا نشعر بها ؟!!!!
هل قابلت يوماً شخصاً يحكي قصة مأساوية من حياته، وكأنه يقرأ نشرة أخبار عن شخص آخر لا يعرفه؟
” صوته هادئ، ملامحه ثابتة، لا تدمع عيناه ولا يرتجف صوته… بينما أنت من تستمع إليه تشعر بالرعب.”
هذا هو “الانعزال العاطفي”. ليس نسياناً… بل هو” فصل المشاعر عن الذكريات”.
أولاً:
ما هو “الانعزال العاطفي”؟
. الانعزال العاطفي (Isolation of Affect) هو آلية دفاع لا واعية، يقوم فيها العقل بفصل المشاعر المؤلمة مثل (الخوف، الحزن، الغضب) عن الذاكرة نفسها.
الذاكرة موجودة بوضوح في الوعي، لكن الشحنة العاطفية المرتبطة بها اختفت.
ببساطة:
العقل الباطن يقول: “لا أستطيع تحمل ألم هذه الذكرى. سأحتفظ بالمعلومة، لكني سأبتر المشاعر.”
الفرق الجوهري بين الكبت والإنعزال العاطفي:
· الكبت:
“لا أتذكر شيئاً.” (الذاكرة تُمسح) ويبقا الشعور المؤلم الذي يصرخ بالداخل في صمت.
· اما الانعزال:
“أنا أتذكر كل شيء، لكني لا أشعر بشيء.” (المشاعر تُبتر).
ثانياً:
كيف يعمل؟ ولماذا هو مخادع؟
المشكلة أن الشخص الذي يستخدم الانعزال العاطفي يبدو “قوياً” و”متماسكاً” في عيون الآخرين. قد يظنه الناس “شجاعاً” لأنه يحكي مأساته دون أن يذرف دمعة واحدة. لكن الحقيقة عكس ذلك تماماً. هذه ليست قوة… هذا بمثابة التخدير. لتجميد الألم. والمشاعر المجمدة لا تموت، بل تظل تبحث عن مخرج، غالباً في صورة أعراض جسدية أو قلق غامض.
ثالثاً:
أمثلة من واقع الحياة:
1. الطبيب البارد:
جراح في قسم الطوارئ، يفقد مريضاً كان بين يديه. بعد دقائق، يدخل إلى مريض آخر ويبدأ العمل وكأن شيئاً لم يحدث. هو لا يحزن… ليس لأنه قاسٍ، بل لأن دماغه تعلم أن فصل المشاعر في هذه المرحله هو فقط من يستطع أن ينقذ الآخرين.
2.الراوي المحايد:
ضحية اعتداء تحكي ما حدث لها بتفاصيل دقيقة جداً، لكن نبرة صوتها محايدة. لا تبكي. لا تغضب. تشعر أن الجريمة حدثت لشخص آخر ليست هي . فهي حقاً لا تكذب… هي منفصلة فعلياً عن ألمها لتحمي نفسها من هذا الألم.
3. الناجي من الحرب:
جندي سابق يصف معارك مروعة شهدها، ويبتسم. يقول: “ياااااه لقد كانت أياماً صعبة” وكأنه يتحدث عن طقس سيء في عطلته الأسبوعيه . هذا الانعزال هو ما سمح له بالنجاة النفسية وسط هذا الكم الرهيب من الرعب.
رابعاً:
كيف تكتشف الانعزال العاطفي وتعالجه؟
1. اسأل نفسك: “أين المشاعر؟”عندما تحكي قصة مؤلمة من حياتك، توقف واسأل نفسك: “ماذا أشعر الآن؟” إذا كان الجواب “لا شيء”، فربما الألم هناك، لكنه محبوس خلف جدار ثلجي داخلك وانت لا تدري.
2. تقبل الألم كجزء من الشفاء:
علاج الانعزال هو السماح للمشاعر بالعودة.
هذا مؤلم، لكنه ضروري.
البكاء على شيء حدث منذ عشرين عاماً ليس ضعفاً… بل هو بداية الشفاء.
الشعور بالألم اليوم يعني أنك قوي بما يكفي لمواجهته وهذا ما نسميه بالألم الشافي.
3. اطلب المساعدة:
الانعزال العاطفي المزمن يحتاج إلى متخصص” معالج نفسي”يساعدك عن طريق تكنيكات علاجية لفك التجميد
وخاتمًا:
في رحلتنا التي ارتحلناها مع آليات الدفاع النفسي وتحديداً ما ذكرناه الآن عن “الانعزال العاطفي” تعلمنا أن هذه الآلية تشرح لنا كيف تتحول اعماق إنسان طبيعي إلى جدار من الثلج وجرح عميق خلفه لا ينزف.
وتعلمنا أن علاج الانعزال هو أن نقول لأنفسنا:
“أنا مستعد الآن لأذيب جداري الجليدي ف أشعر.
أنا مستعد لأن أكون إنساناً حقيقياً مكتمل الأركان بمشاعري، بضعفي، بدموعي، بجميع آلامي ف انا لا أقبل بأن أكون شبيه إنسان .
وتذكر:
أنت لست مطالباً بألا تتألم…. ولكنك مطالب بألا تصبح لذاتك ألماً.
فعندئذٍ يجب علينا ان نذكر شعارنا :






