الحياة… نعيشها أم تعيشنا.

بقلم: السيد عبدالعزيز القربي. 

الكل يسعى في هذه الدنيا. لكل إنسان هدف يسعى لتحقيقه: منهم من يجمع المال، ومنهم من يطلب العلم ويرتقي في دراسته، ومنهم من يطمح إلى منصب، ومنهم من يسعى إلى الظهور ولو على حساب جهد غيره. وكل واحد يبذل قصارى جهده في سبيل غايته.

وفي وسط هذا كله، يغفل الناس عن الأهم. يغفلون أنهم ليسوا خالدين، بل يغفلون أن يعيشوا أصلاً.

نستيقظ مبكرين ونجري إلى أعمالنا، ثم نعود متعبين فننام لنستيقظ ونجري من جديد. ونقول لأنفسنا: “بعد أنهي هذا المشروع سأرتاح” “بعد التخرج سأستمتع” “بعد أن أشتري البيت سأبدأ أعيش”. فتأجل الفرحة، وتتأجل الراحة، وتتأجل حتى الجلسة مع أهلنا. وتمضي السنوات ونحن ما زلنا عالقين في “بعدين”.

المشكلة ليست في السعي. فالسعي عبادة، والطموح نعمة. ولكن المشكلة أننا حولنا الحياة كلها إلى سباق بلا نهاية. نجمع ولا نستمتع، نصعد ولا ننظر حولنا، نربح أشياء ونخسر أنفسنا في الطريق.

لقد نسينا أن الرزق ليس بالسعي وحده. ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾. ونسينا أن العمر أنفاس معدودة، وكل نَفَسٍ يخرج لا يعود. فكيف نضيعه في القلق على ما هو قادم، والحزن على ما قد مضى؟

وأخطر ما في هذا الجري أننا بدأنا نقارن. هذا حصل على أكثر، وهذا ترقى قبلي، وهذا نالت صورته إعجاباً أكثر. فنسينا نعمنا، ونسينا طريقنا، وصرنا نجري في طريق ليس لنا. صرنا نحقق أهداف الناس ونظنها أهدافنا.

فما الحل؟ الحل ليس أن تتوقف عن السعي، بل أن تتذكر “لماذا” تسعى. 

اسعَ ونيتك إعمار الأرض. اعمل ونيتك إسعاد بيتك. تعلم ونيتك أن تنفع غيرك. عندها يتحول التعب إلى أجر، ويتحول الجري إلى معنى.

وفي وسط السعي… عِش. 

الدنيا محطة وليست إقامة. والفائز في النهاية ليس أكثر الناس جمعاً، ولا أعلى الناس منصباً. الفائز هو من أحسن الموازنة: سعى لآخرته، وعاش دنياه، واطمأن قلبه.

فاهدأ قليلاً. خذ نفساً. 

واسأل نفسك: هل أسعى لأعيش؟ أم أسعى وقد نسيت أن أعيش؟

لأنه في الختام… لن يُقال “كم كان يملك فلان”  

بل سيُقال “كيف كان فلان”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى