المدمن… جانٍ أم ضحية رؤية إنسانية في فهم الإدمان

 

لا يزال الإدمان من أكثر القضايا التي يحيط بها الجدل وسوء الفهم، إذ ينظر كثيرون إلى المدمن باعتباره مسؤولًا وحده عن معاناته، بينما تكشف الدراسات والخبرات الميدانية أن الصورة أكثر تعقيدًا، وأن الإدمان غالبًا ما يكون نتاج تفاعل عوامل نفسية وأسرية واجتماعية وبيولوجية متشابكة.

ومن واقع عملي في مجال الإرشاد للتعافي، وتعديل السلوك، والتأهيل النفسي، وما صاحب ذلك من متابعة ودراسة لحالات عديدة، توصلت إلى قناعة مفادها أن كثيرًا من المدمنين كانوا في بداية الطريق ضحايا لظروف قاسية قبل أن يتحولوا دونما قصد إلى أشخاص يؤذون أنفسهم ومن حولهم بسبب المرض.

وتشير العديد من الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من المصابين باضطراب الإدمان تعرضوا خلال طفولتهم أو سنوات المراهقة لأحد أشكال الإساءة النفسية أو الجسدية أو الجنسية، أو عانوا من التنمر، والإهمال، والعنف الأسري، وغياب الاحتواء العاطفي، وهي تجارب قد تترك آثارًا عميقة تمتد إلى سنوات طويلة إذا لم تجد العلاج والدعم المناسبين.

وفي كثير من الأحيان يوجَّه اللوم إلى المدمن أو إلى أصدقاء السوء وحدهم، بينما يغيب عن الأذهان أن هؤلاء الأصدقاء أنفسهم قد يكونون ضحايا لظروف مشابهة، وأن الأسرة قد تكون بدورها أسيرة أنماط تربوية غير سوية أو ضغوط حياتية متراكمة انعكست على الأبناء بصورة غير واعية.

وتتكرر بين كثير من المتعافين قصص عن افتقاد الدفء الأسري، والحب غير المشروط، وضعف الحوار داخل الأسرة، وغياب التوعية في سنوات المراهقة، فضلًا عن افتقاد القدوة الإيجابية التي تساعد الأبناء على مواجهة تحديات النمو.

ومن هنا يصبح تبادل الاتهامات بين الأسرة والمدمن والمجتمع دائرة مغلقة لا تقدم حلولًا، بل تزيد من حجم الأزمة، خاصة مع استمرار وصمة الإدمان التي تلاحق المتعافي حتى بعد نجاحه في العلاج واستعادة حياته.

ومن المهم التأكيد على أن الإدمان يُصنَّف طبيًا باعتباره مرضًا مزمنًا قابلًا للعلاج والسيطرة من خلال برامج علاجية وتأهيلية متخصصة، إلا أن التعافي يحتاج إلى التزام مستمر ودعم نفسي وأسري واجتما اهعي للحد من احتمالات الانتكاسة.

كما أن الإدمان لا يقتصر على تعاطي المخدرات، فهناك أنماط أخرى من السلوك الإدماني، مثل إدمان الإنترنت، والألعاب الإلكترونية، والطعام، والعمل، والعلاقات، وإن ظل إدمان المواد المخدرة الأكثر خطورة لما يسببه من أضرار صحية ونفسية واجتماعية.

ومن هذا المنطلق، فإن التعامل مع المدمن يجب أن يقوم على مبدأ العلاج لا الإدانة، والاحتواء لا النبذ، فالرحمة لا تعني تبرير الخطأ، وإنما تعني فهم أسبابه والسعي إلى معالجتها.

ولا ينبغي أن يتحول الإنسان إلى أسير لأفكار سلبية أو أحكام مسبقة، فالفكرة تصنع الشعور، والشعور يؤثر في السلوك، والسلوك يرسخ القناعات، ثم تتشكل الشخصية على هذا الأساس. ولذلك دعا الإسلام إلى التثبت وعدم بناء المواقف على الظنون، لأن الأحكام المتسرعة قد تظلم الآخرين، بل وقد تظلم صاحبها أيضًا.

كما أن ظلم الإنسان لنفسه لا يقل خطورة عن ظلم الآخرين، حين يخفي ألمه، أو يقبل الإهانة، أو يعيش حياة تخلو من التقدير والاحتواء. فالإنسان يحتاج إلى من يسمعه ويحتويه قبل أن يحتاج إلى من يحاسبه.

ولعل الرسالة الأهم هي أن نمنح من حولنا مزيدًا من الحب والاهتمام، وأن نحسن الحوار داخل الأسرة، وأن نستمع إلى الأبناء قبل أن نحاكمهم، وأن نحتضن المتعافي بدلًا من عزله، فالكلمة الطيبة والاحتواء الصادق قد يكونان بداية طريق التعافي.

إن بناء مجتمع أكثر وعيًا يبدأ من إدراك أن الإنسان ليس خطأه، وأن المرض لا ينتقص من كرامته، وأن الوقاية الحقيقية تبدأ داخل الأسرة، بالحوار، والحب، والقدوة، والوعي، قبل أن تبدأ داخل

المستشفى أو مركز العلاج.

بقلم د/رشا ممدوح

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى