منصة «تبصير»: حين يتحول الذكاء الاصطناعي إلى دليل بصري داخل مختبرات الابتكار

فكرة وتنفيذ أ/ ناهد أبو غنيمة الفائزة بالمركز الأول في مسابقة الابتكار الرقمي -الموسم السادس

أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا متزايد الحضور في البيئة التعليمية، ولم يعد استخدامه مقتصرًا على تحليل البيانات أو إنتاج النصوص، بل امتد إلى تطبيقات عملية تساعد الطلبة على التعلم والاستكشاف وحل المشكلات. ومن هذا المنطلق جاءت فكرة منصة «تبصير»، وهي منصة تعليمية تفاعلية تستخدم الرؤية الحاسوبية لمساعدة الطلبة على التعرّف إلى القطع والمكونات الإلكترونية المستخدمة في بناء الأنظمة الذكية.

نشأت فكرة المنصة من موقف تعليمي متكرر داخل مختبرات الابتكار؛ فقد يعرف الطالب وظيفة حساس الضوء أو حساس الحركة من الناحية النظرية، لكنه قد يواجه صعوبة عند محاولة التمييز بين القطع الحقيقية، خاصة عندما تكون متشابهة في الشكل أو الحجم. وقد يؤدي هذا الخلط إلى اختيار قطعة غير مناسبة، أو توصيلها بصورة غير صحيحة، أو إهدار وقت الحصة في البحث والسؤال، وربما تلف بعض المكونات الإلكترونية.

من هنا بدأت رحلة تطوير «تبصير»، لتكون أكثر من مجرد قاموس رقمي. فالمنصة لا تطلب من الطالب كتابة اسم القطعة للبحث عنها، بل تتيح له استخدام كاميرا الهاتف أو الحاسوب وتصوير القطعة مباشرة. بعد ذلك يحلل نموذج الذكاء الاصطناعي الصورة، ويعرض اسم القطعة، ونسبة الثقة في عملية التعرّف، ووصفًا مبسطًا لوظيفتها، إلى جانب إمكانية ربط النتيجة بمصادر تعليمية توضح طريقة استخدامها.

كيف تعمل المنصة؟

تعتمد منصة «تبصير» على نموذج لتصنيف الصور جرى تدريبه باستخدام أداة Teachable Machine، ثم دُمج داخل صفحة ويب تعمل بواسطة TensorFlow.js. وعند تشغيل المنصة، يسمح المستخدم للمتصفح باستخدام الكاميرا، ثم يوجهها نحو القطعة الإلكترونية.

يقارن النموذج الصورة بالفئات التي تدرب عليها، ثم يعرض التصنيف الأعلى. وإذا كانت نسبة الثقة منخفضة، تظهر رسالة تطلب من المستخدم إعادة المحاولة أو تقريب القطعة من الكاميرا. أما إذا كانت النتيجة مقبولة، فيظهر اسم القطعة ووظيفتها.

تتضمن النسخة الأولية من المنصة خمس فئات أساسية من مكونات الأنظمة الذكية، هي:

المتحكم الدقيق، وحساس الموجات فوق الصوتية، وحساس الضوء، وحساس الأشعة تحت الحمراء، وحساس الحركة.

وقد دُرب النموذج الأولي باستخدام عشر صور لكل قطعة، بإجمالي خمسين صورة تدريبية. ويعد هذا العدد بداية مناسبة لبناء نموذج أولي تعليمي، مع الحاجة إلى زيادته لاحقًا لتحسين دقة التعرّف في ظروف الإضاءة والخلفيات والزوايا المختلفة.

من المعرفة النظرية إلى التطبيق العملي

تكمن أهمية «تبصير» في قدرتها على ربط المعلومات النظرية بالتجربة العملية. فالطالب لا يكتفي بقراءة اسم الحساس أو مشاهدة صورته داخل الكتاب، بل يتعامل مع القطعة الحقيقية، ويستخدم الكاميرا للحصول على تغذية راجعة فورية.

يساعد هذا الأسلوب على تنمية التعلم الذاتي، ويقلل اعتماد الطلبة على المعلم في المهام المتكررة المتعلقة بالتعرّف إلى القطع. كما يتيح للمعلم توجيه وقته نحو المهام الأكثر عمقًا، مثل الإشراف على تصميم المشروعات، وتحليل المشكلات، وتطوير الحلول.

ولا تهدف المنصة إلى استبدال دور المعلم، بل إلى تقديم أداة مساندة تجعل بيئة التعلم أكثر تفاعلية، وتمنح الطالب فرصة للتجربة والتحقق واتخاذ القرار.

تجربة أولية ونتائج مشجعة

جرى تطبيق تجربة أولية للمنصة على 32 طالبة من طالبات الصف التاسع المتقدم. واستخدم اختبار قبلي وبعدي مكوّن من خمسة أسئلة، وبلغت الدرجة النهائية للاختبار عشر درجات.

أظهرت النتائج ارتفاع متوسط أداء الطالبات من 6.8 درجات في الاختبار القبلي إلى 9.2 درجات في الاختبار البعدي، بزيادة مقدارها 2.4 درجة، ونسبة تحسن بلغت نحو 35.3%.

كما أظهرت استجابات الطالبات أن نسبة الرضا عن المنصة وسهولة استخدامها بلغت 95%، في حين بلغت نسبة تقدير أهمية الدليل الرقمي في دعم تنفيذ المشروعات 97%.

وتعد هذه النتائج مؤشرات أولية مشجعة على قدرة المنصة على دعم التمييز البصري بين المكونات الإلكترونية، وتحسين سرعة الوصول إلى المعلومات. ومع ذلك، فإن التوسع في الدراسة يحتاج إلى تطبيقها على عينات أكبر، وإجراء تحليل إحصائي أكثر تفصيلًا، واستخدام مجموعة ضابطة، إلى جانب قياس دقة النموذج على صور مستقلة لم تدخل في التدريب.

قيمة تربوية تتجاوز التعرّف إلى القطع

لا تقتصر القيمة التربوية للمنصة على عرض اسم القطعة، بل يمكن أن تسهم في تنمية عدد من المهارات، من أبرزها:

التعلم الذاتي، والملاحظة الدقيقة، والتمييز البصري، واتخاذ القرار، وحل المشكلات، والربط بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي.

كما يمكن للمنصة أن تدعم التعلم القائم على المشروعات؛ لأنها تساعد الطالب على اختيار المكون المناسب لفكرة مشروعه، وفهم وظيفته قبل استخدامه.

وتنسجم فكرة «تبصير» مع توجهات التعليم الحديثة التي تشجع على دمج الذكاء الاصطناعي في الممارسات الصفية، وتحويل المتعلم من متلقٍ للمعلومة إلى مستخدم نشط للتقنية ومنتج للحلول.

إمكانات واسعة للتطوير

تمثل النسخة الحالية بداية لمشروع يمكن تطويره في عدة اتجاهات. ومن أهم المقترحات المستقبلية:

إضافة عدد أكبر من المستشعرات والمتحكمات والمحركات والشاشات، وعرض أسماء القطع باللغتين العربية والإنجليزية، وإضافة مخططات التوصيل، والأمثلة البرمجية، وتحذيرات السلامة، والجهد الكهربائي المناسب لكل قطعة.

كما يمكن دمج الواقع المعزز، بحيث تظهر أسماء أطراف القطعة وطريقة توصيلها فوق الصورة الحية مباشرة. ويمكن أيضًا إنشاء محاكي افتراضي يسمح للطالب بتجربة التوصيل قبل التطبيق الحقيقي.

ومن المقترحات المهمة إضافة مساعد ذكي يجيب عن أسئلة الطلبة، مثل: ما الحساس المناسب لقياس المسافة؟ وما الفرق بين حساس الحركة وحساس الأشعة تحت الحمراء؟ وكيف يمكن توصيل القطعة بالمتحكم؟

ويمكن مستقبلًا تطوير النموذج ليتعرف إلى أكثر من قطعة في الصورة نفسها، بدلًا من تصنيف قطعة واحدة فقط.

تحديات ينبغي التعامل معها

رغم النتائج المشجعة، يواجه المشروع عددًا من التحديات التقنية والتعليمية. فدقة التعرّف قد تتأثر بالإضاءة، وجودة الكاميرا، وخلفية الصورة، وزاوية التصوير، وتشابه بعض المكونات.

كما أن اختلاف شكل القطعة من شركة مصنعة إلى أخرى قد يتطلب إضافة صور أكثر تنوعًا إلى بيانات التدريب.

ومن الضروري أيضًا مراجعة عتبة الثقة المستخدمة في النموذج، والتأكد من عدم عرض نتيجة غير دقيقة عندما تكون نسبة التنبؤ منخفضة. لذلك يجب اختبار النموذج على عدد كبير من الصور المستقلة، وحساب مؤشرات الدقة لكل فئة.

نحو مرجع ذكي لمختبرات STEM

تطمح منصة «تبصير» إلى أن تتحول من نموذج مدرسي أولي إلى مرجع رقمي ذكي لمختبرات الابتكار وSTEM. ويمكن أن تصبح المنصة قاعدة معرفية تجمع بين التعرّف البصري، ومعلومات القطع، ومخططات التوصيل، والمقاطع التعليمية، والمحاكاة، والواقع المعزز.

ويمكن تطبيق الفكرة مستقبلًا في مجالات أخرى، مثل التعرّف إلى الأدوات المخبرية، والأجهزة العلمية، والنباتات، والصخور، والأشكال الهندسية، ومكونات الروبوتات.

وتكمن قوة المشروع في أنه بدأ من مشكلة تعليمية حقيقية، ثم استخدم التقنية لتقديم حل عملي بسيط وقابل للتطوير.

خاتمة

تقدم منصة «تبصير» نموذجًا لتوظيف الذكاء الاصطناعي في موقف تعليمي مباشر وملموس. فهي تساعد الطالب على التعرّف إلى القطعة التي أمامه، وفهم وظيفتها، واستخدامها بصورة أكثر ثقة واستقلالية.

وتشير التجربة الأولية إلى أن الجمع بين الكاميرا والرؤية الحاسوبية والمحتوى التعليمي يمكن أن يسهم في تحسين خبرة التعلم داخل مختبرات الابتكار.

ومع استمرار التطوير وزيادة قاعدة الصور وتوسيع الدراسة، يمكن أن تصبح «تبصير» أداة تعليمية فاعلة تسهم في بناء جيل أكثر قدرة على فهم التقنية، واستخدامها، وتطويرها لحل المشكلات الواقعية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى