الوعود الواهية… الوعد المكسور

 

لماذا يتخلى البشر عن عهودهم؟

“أعدك بذلك”.. جملة مريحة تمنحنا شعورًا فوريًا بالأمان، لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى فخ يخلف ورائه خيبات أمل عميقة

و تآكلًا في العلاقات الإنسانية…

 

في عالم سريع الإيقاع، أصبح إخلاف الوعود ظاهرة يومية متكررة، و السؤال الجوهري هنا… لماذا يقطع البشر عهودًا يعجزون – أو يرفضون – الوفاء بها؟

 

يجيب علم النفس و الإجتماع عن هذا التساؤل عبر تفكيك الدوافع البشرية ، و التي تتأرجح بين ضعف الحيلة النفسية ، الإضطرار، و أحيانًا التلاعب المتعمد…

 

1. معضلة إرضاء الآخرين

يرى الأخصائيون النفسيون أن الكثير من الوعود المكسورة تولد من رحم الخوف؛ الخوف من المواجهة، أو الخوف من تخييب آمال الآخرين في لحظة الطلب. الكثير من الأشخاص لا يملكون الشجاعة لقول كلمة “لا” مباشرة، فيلجأون إلى إعطاء وعد زائف كآلية دفاعية لتأجيل الصدام

أو لإنهاء موقف محرج، دون التفكير في عواقب الإخلاف اللاحقة.

 

2. فخ التلاعب النفسي

في الجانب الأكثر قتامة للعلاقات، يظهر مصطلح «التزييف المستقبلي» (Future Faking). و هو أسلوب يلجأ إليه الشخص النرجسي أو الأناني، حيث يقوم برسم وعود وردية للمستقبل (كالزواج، أو الشراكة العملية،

أو الدعم المالي)… ليس بدافع النية الصادقة، بل كوسيلة سريعة لكسب ثقة الطرف الآخر،

أو السيطرة عليه، أو الحصول على منافع آنية.

 

3. التفاؤل المفرط و سوء تقدير الواقع

ليس كل من يخلف وعده سيء النية… هناك فئة ضخمة من البشر تقع ضحية ما يُعرف بـ «تحيز التفاؤل» (Optimism Bias). هؤلاء الأشخاص يقطعون الوعود بنوايا صادقة و نقية، لكنهم يفشلون تمامًا في تقدير حجم طاقاتهم، أو وقتهم، أو مواردهم المتاحة… يعتقدون أنهم قادرون على فعل كل شيء، ليصدموا لاحقًا بجدار الواقع و ضيق الوقت.

 

4. تبدل المصالح و الأنانية الحديثة

في عصر الماديات الصاعدة، باتت العلاقات تخضع أحيانًا لمنطق الربح و الخسارة … قد يقطع الشخص وعدًا في زمن كانت فيه مصلحته تقتضي ذلك، و لكن بمجرد تغير الظروف و ظهور فرص أفضل، يصبح الوفاء بالوعد عبئًا يتطلب تضحية بالوقت

أو الجهد، فيختار التخلي عنه تقديمًا لمصلحته الذاتية على حساب موثوقيته و صورته أمام الآخرين.

 

5. القوة القهرية… ضحايا الظروف

أخيرًا، يجب ألا نغفل الجانب الإنساني الخاضع للقدر. فالأزمات الصحية المفاجئة، التقلبات المالية الحادة، أو الظروف العائلية الطارئة، هي أسباب خارجة عن إرادة الفرد تمامًا…ففي هذه الحالة، يتحول الوفاء بالوعد إلى مستحيل عملي، و يكون الفارق هنا هو مدى حرص الشخص على الإعتذار و شرح أسبابه بشفافية.

 

خلاصة القول:

إن الوفاء بالعهد هو العملة غير المرئية … التي تُبنى بها جسور الثقة في المجتمعات… و مع تكرار الوعود الواهية، تُصاب العلاقات الإنسانية بحالة من «التضخم الأخلاقي» ؛ حيث تفقد الكلمات قيمتها الإنسانية و تصبح مجرد أدوات للمجاملة.

 

لذا، لا تحزن يا صديقي من خيبات الأمل، بل اجعل منها درسًا لرفع وعيك بدوافع الآخرين، و لعلها تكون دافع لك أنت شخصيً

ا لإطلاق مهاراتك و قدراتك للعلن.

بقلم / داليا محمد حموده

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى