حروبٌ مدمرة: البقاء ليس للأقوى

بقلم شروق الشاذلي
دمارٌ شامل لم يحدث مرة أو مرتين ولكن بإستمرار على مختلف العقود ومختلف الأسباب، وعدنا ألا نرجع إليها وقد رجعنا، كتبنا على أنفسنا العهود وقد خالفنا فكيف نعيش ؟!
يجري القتل في مجري الدم كالأوكسجين، لا تعيش بدونِه ولا تستطيع إبداله فهو كالإدمان، فإذا كانت هناك جائزة للأكثر دمارًا ووحشيًة فهي بالتأكيد للإنسان.
حربٌ وحشية تعددت أسبابها لكل دولة أو بالأحرى حُججها، دَارت على مدى أربع سنوات ومئة يوم وإشتركت بها ٢٨ دولة، إنها الحربُ العالمية الأولى (١٩١٤ – ١٩١٨)، قَضت على المبادئ والأخلاق والقوانين، قُتل من ٩ إلى ١٠ مليون شخص وعدد الجرحى كان ٣٠ مليون شخص (في موضع أخر ٢٢ مليون)، وقُدر المفقودين بعدد ٥ مليون شخص، غير الذي تُوفي بسبب المجاعة والأمراض وقُدر بعدد ٩ مليون شخص.
تجردت المصانع من عُمالها وإستُخدمت لصنع الذخائر ومعدات الحرب، كما تم إستخدام العديد من الأسلحة لأول مرة مثل: الغواصات والطائرات والدبابات وقذائف الشظايا (قذائف تحتوي على المئات من الرصاصات وتُطلق في الجو لتنفجر وتُسقط الرصاصات على الأعداء)، غير وجود المدفع الرشاش الأوتوماتيكي والأسلحة الكيماوية والغازات السامة وتم إستخدامه بِكثرة في هذه الحرب، وكانت أول دولة تستخدم الأسلحة الكيماوية هي فرنسا وإستخدمت غاز مسيل للدموع لإعاقة حركة الجيش الألمانى لكن تم الرد عليهم ب ٥٠٠ قذيفة ضخمة تحتوي على غاز الكلور المضغوط. (تم إختراع وتطوير العديد من الغازات المختلفة للحرب وكل مرة تُصبح أكثر تدميرًا وأذى)
من الجدير بالذكر أنه لم يتوقع أحد من الدول أن الحرب قد تستمر كل هذا الوقت في البداية، وكانت كل الحروب التي قبلها كانت لفترة قصيرة أو على الأقل تنتهى في غضون عام واحد ولا يمتد الصراع أو يطول، ويعود ذلك أيضًا للنهضة الصناعية والإقتصادية التي لا تستطيع أي دولة تحمل تكاليف حرب مدمرة على المدى الطويل.
كانت تفشل عصبة الأمم – مُشكلة لحل الصراعات الدولية – بإستمرار في الصلح ويرجع ذلك للدول الكبرى التي أنشأتها فقط لحِصاد إنتصاراتها في الحرب العالمية الأولى وبالتأكيد لن تفرض على نفسها أي شروط أو قيود، كانت الدول المنهزمة تشعر بحقد كبير تجاه الدول المنتصرة مما جعلهم يقومون بالحرب العالمية الثانية (١٩٣٩ – ١٩٤٥)؛ محاولًا لتحسين وضعهم.
ظهرت القنابل الذرية لأول مرة حينذاك بل وتم إستخدامها من قِبل أمريكا ضد اليابان عندما لم تنصاع لتهديدات الأمريكيين حيث ألقتها على مدينة هيروشيما هلك البشر والحيوانات والنبات وأُحرقت المدينة بأكملِها بمن عليها ومن نجا توفي بعد أيامٍ متأثرًا بالإشعاعات السامة، أحدثت دمارًا هائلًا لا يُمكن وصفه، وفي الحقيقة إزدادت اليابان إصرارًا وعندًا فألقوا قنبلة أخرى على مدينة نجازاكي وظلت أثار القنبلتين على المدى البعيد، حينها كان يجب على اليابان التوقف وقد فعلت وأعلنت إستسلامها.
من الجدير بالذكر أن رفض اليابان للتوقف منذ أول تهديد رغم معرفة التأثيرات السلبية المدمرة لأثارها، وذلك يعود إلى أن القنبلة الذرية لم تكن موجودة بالفعل وأنها فقط موجودة على الورق ولم يستطع أحد صُنعها لذلك لم تأخذ قرار أمريكا بجدية ولم تهتم بِه، ولكن أمريكا كانت قد صنعتها بالفعل وإستخدمتها لأول مرة معهم، وهذا ما جعل اليابان تتنازل في النهاية.
إستُخدمت السفن الحربية والألغام بشكل أوسع مما كانت عليه في الحرب العالمية الثانية، غير إبتكار الشراك الخداعية وإختراع وسائل إشعال أتوماتيكية والعبوات المجهزة لعمليات النسف الخاصة والأجهزة اللاسلكية.
كانت حرب بشعة ومدمرة أكثر من الحرب العالمية الأولى لم يكتفوا قط، وأحرقوا ما يُمكن إحراقُه، كانوا يُبدعون في وسائل القتل، تجردوا من إنسانيتهِم، خَلفت الحرب أكثر من ٣٥ إلى ٥٥ مليون قتيل من الجنود والمدنيين، أكثر من ٦٠ مليون معاق وجريح وأسير ومفقود !!
تخيل أن القتلي بين ٣٥ و ٥٥ مليون، يوجد ٢٠ مليون مترددين بعددهم، كيف لم يوجد شخص واحد بكامل قواه العقلية، كيف تُركت الأمور بهذا الشكل الفظيع، والأن هم من يتحدثون عن السِلم والحقوق وإحترام القوانين التي يخرقونها كيفما يشائون، هُم من أحرقوا الأرض ومن عليها، يُحدثوننا عن السلام والعهود والقوانين الدولية.
وما زالوا لم يتعلموا الدرس ومهما عاد التاريخ نفسهُ لن يتعلموه، وهم ينظرون لإبادة أخرى في فلسطين فقط لتأييدهم للدولة المحتلة ومصالحهم المشتركة، فأين القانون وأين السلام أم يكون فقط مع من يُريدون !!
ماذا ننتظر منهم وهم ينتظرون الفرصة لنهش بعضهم البعض كالمفترس الذي ينتظر فريستهُ، ومهما ظنوا أنهم أقوياء فلا أحد يخرجُ من الحربِ مُنتصرًا فإما مهزومٍ وإما مهزوم، فالأولى هزيمة المعركةِ والثانية هزيمة النفسِ.
المصدر:
كتاب الحرب العالمية الأولى لأسامة سلامة
كتاب الحرب العالمية الثانية لأسامة سلامة
كتاب الأحداث الأولى في الحرب العالمية الأولى لسعيد إبراهيم كريديه






