التلاعب بالحواس فى فنون الخداع البصرى

اعداد/ رانيا البدرى

 

 

التلاعب بالحواس، والإيهام بواقع متخيل كان هاجسا للفنون على العموم منذ زمن بعيد. ولكن الطفرة الحقيقية جاءت مع عصر النهضة على يد المعماري «فليبو برولونيسكي» الذى طوّر المنظور الهندسى، وسرعان ما استخدمه عباقرة عصره فى أعمالهم، لينتجوا لوحات مسطحة، لكنها تبدو وكأنها ثلاثية الأبعاد، مراعية نسبا رياضية بين أحجام العناصر القريبة والبعيدة، من خلال نقطة زوال، تتجه الخطوط الأفقية نحوها منتجة العمق فى خلفية تلك الأعمال. 

من أشهر الأعمال التى استخدمت المنظور ببراعة للإيهام بالعمق، لوحة «المحادثة المقدسة» لفنان عصر النهضة «بييرو ديلا فرانشيسكا» التى أنجزها عام 1472 لدوق أوربينو «فريدريك الثالث». وتصور السيدة العذراء وطفلها على العرش، محاطين بشخصيات من الكتاب المقدس، كما تتضمن الدوق صاحب اللوحة، فى المقدمة مرتديا دروعه الدفاعية المعدنية، وراكعا فى وضعية للصلاة. ودعم الفنان إيهامه بنقش التفاصيل التى تضمنت محرابا، به نقوش بارزة وغائرة، وسقف مقبب تتوسطه صدفة، ترمز للقديس «جيمس»، والمعروف أيضا بيعقوب، و»سنتياجو». وفى إشارة رمزية جعل جميع الخطوط الأفقية للخلفية تلتقى عند رأس العذراء. ما يجعل اللوحة ليس فقط أحد أمثلة استخدام المنظور الهندسى للإيهام بالعمق، ولكن أيضا أحد الأعمال التى استخدمت البنية الرياضية للتعبير عن الإشارات الرمزية. 

كذلك تعتبر لوحات «الفصول» للإيطالى «جوزيبى أركيمبولدو» من القرن السادس عشر، أحد نماذج الوهم البصرى. وهى تصور فى كلٍ منها أحد فصول السنة، فى هيئة رأس إنسان مكون من فواكه وخضراوات أو زهور أو جذع وأفرع شجرة. ورغم أنها مجرد عناصر معروفة موضوعة فى تكوين، لكنها تخلق الوهم بأنها رؤوس آدمية لما تستدعيه من الذاكرة من معرفتنا بتكوين الرأس البشرى. وهى لا تكتفى بذلك بل تحمل رمزية أخرى إذ تتابع اللوحات لتشكل مراحل حياة الإنسان من الشباب فى الربيع ونضوج الشباب فى الصيف ومنتصف العمر فى الخريف والكهولة فى لوحة الشتاء.

وله لوحات أخرى اتبعت الأسلوب نفسه مثل لوحة «بستانى الخضراوات» التى تصور إناء به مجموعة من الخضر، وإذا قُلبت اللوحة يتحول إلى شخص. وله أيضا لوحة أمين المكتبة التى تصور شخصا مكونا من مجموعة من الكتب.. وفى حقبة الباروك (القرن 17) رسم الفنان «أندريا بوزو» لوحة «تطويب القديس إغناطيوس» على سقف كنيسة القديس بروما، مستخدما الخداع البصرى للإيهام بأن الشخصيات المرسومة تتسلل من الأعلى إلى داخل الكنيسة.

وفى أواخر القرن التاسع عشر رسم الفنان «تشارلز آلان جلبرت» لوحة «كل شيء باطل» التى تستوحى نصا من سفر «الجامعة». وصور فيها امرأة تجلس أمام مرآة، لكن من منظور آخر سنكتشف أننا أمام جمجمة كبيرة تشكلها المرآة ورأس المرأة وصورتها فى المرآة اللتين تمثلان فراغى العينين. ولا تخفى رسالة الفنان بأن الجمال زائل، وأنه لا داعى للغرور به. وفى الفترة نفسها رسم الفنان «بيير بوريل ديل كاسو» لوحته «الهروب» وتصور طفلا يهرب من إطار لوحة، وهى أيضا من أشهر أعمال الخداع البصرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى