دفء مشبوه .. الكاتبة: الزهرة العناق

ليالي غزة ليست باردة كباقي المدن
بها برد استثنائي
جاف، لا يرف له غيم
و لا ينحني له قمر.
برد يتسلل
إلى العظام من أبواب مكسورة
ومن نوافذ مغلقة بالكرتون،
لا يقاوم بالبطانيات،
بل بالمقاومة.
في غزة،
تتدثر الأرواح بالصبر،
ويغطي الجسد جسدا آخر
لاختراع دفء مستحيل.
هناك،
الطفل لا يسأل عن المدفأة،
بل ينام على حجرة
كأنه فاقد الوعي
منهك من الجوع، و البرد و سخط الحياة.
ظلام مقيم
يسكن الأزقة والبيوت والنفوس،
لكن بريق شمعة
يبعث الأمل في السماء،
ليضيء وجوه الصغار
كأنه معجزة.
غزة العزة،
تستحم بحروف الحزن
و تخرج أكثر أناقة،
تغسل بوجهها المتعب خيبة العالم
و تنفض عن كتفيها صقيعًا
لا يشعر به إلا من عاش فيه.
قالوا: البرد هناك لا يقتل،
لكنهم لم يزوروا غزة.
لم يلمحوا ذاك الرضيع
الملفوف بوشاح جدته المهترئ.
و لم يسمعوا أنين الجدران
و لم يجربوا حالة تلك الأم العاجزة عن احتضان أهلها
وتوفير الحليب، و الماء، و الخبز و الطحين
أما تسهر،
ترتجف من الداخل، وتبتسم.
نعم، تبتسم.
لأنها إن بكت،
سيموت أحدهم من الهلع
قبل الجوع
و إن تنهدت،
ظن الطفل أنها تنهيدة النهاية.
طوبى لأمهات لا يشتكين من الصقيع،
بل يضعن أيديهن المرتجفة على صدور أطفالهن
لبث حرارة القلب فيهم،
وكأن القلوب تشتعل في الداخل
لتطفئ رجفة الجسد في الخارج.
في غزة،
الدفء لا يأتي من الحطب،
بل من قوة الإيمان الذي لا يموت،
ومن العزيمة التي لا تنام،
ومن القلب المتعطش للاستمرارية حاملا راية التحدي:
نعيش نعم،
ولو من دون سقف،
و لا نار و لا طمأنينة
لكننا لا ننكسر.
هناك،
الثلج يسقط من ضمائر العالم.
ثلج يصمت، يتجاهل، و يبلل صرخات المحتاجين
ثم يذوب في نشرات الأخبار
كأنه لم يكن.






