غياب الإنسانية .. بقلم/ الزهرة العناق

 

أين تختبئ الإنسانية حين تغلق القلوب أبوابها و تتحول إلى صخور يابسة لا يندى عليها مطر الرحمة؟

أين تختبئ حين تذبح البراءة على مرأى العالم، و تقتلع الطفولة من أذرع أمهاتها كما تقتلع الأشجار من جذورها؟

أين تختبئ الإنسانية حين يمد طفل يده الصغيرة بين أكوام الناس ليحصل على كسرة خبز؟

أين تختبئ حين نرى أطفالاً يتزاحمون حول قدور الطعام القليلة، وعيونهم تسبق أجسادهم إلى لقمة قد تبقيهم يوماً آخر على قيد الحياة؟

في غزة، لم يعد الجوع مجرد حالة طارئة، بل أصبح مشهداً يومياً، يطبع في ذاكرة الطفولة بدلا عن اللعب والمدارس و الضحكات. أطفال يفترض أن يكونوا رسل الغد، تحولوا إلى باحثين عن لقمة، إلى كائنات صغيرة تحمل في عيونها أسئلة أكبر من أعمارها: لماذا نحن؟ ولماذا لا يسمعنا العالم؟

أطفال غزة، أولئك الذين ما عرفوا سوى لغة الحصار وصوت الانفجارات، يكتبون يومياتهم بالدموع، يرسمون أحلامهم على جدران مهدمة، ويحتفظون بألعاب مبتورة الأجنحة.

إنهم ليسوا أرقاما في نشرات الأخبار، بل أرواحا صغيرة تصارع لكي تثبت للعالم أنهم ما زالوا أحياء، وأن حقهم في الحياة ليس منة من أحد.

وحين يبتسم طفل منهم رغم الدمار، فإن ابتسامته ليست عادية؛ إنها صفعة على وجه كل إنسان ادعى الإنسانية وهو يتفرج بصمت.

وحين ينامون على ركام بيوتهم، فإنهم ينامون على وسادة من صبر أعجز الكبار، وعلى غطاء من يقين بأن الله لا يخذل المظلومين.

الإنسانية الحقة لا تقاس بكثرة الشعارات، ولا تزينها المؤتمرات، ولا تلمعها الكاميرات. الإنسانية تقاس بمدى وجعنا ونحن نرى طفلاً من غزة يبحث عن أمه تحت الأنقاض، أو يجر قدميه العاريتين في شتاء بارد، 

أي قلب هذا الذي يسمع صرخاتهم ولا يرتجف؟

أي ضمير هذا الذي يرى دماءهم ولا ينزف؟

إن الإنسانية التي فقدناها هي نفسها التي يسقيها أطفال غزة بدمائهم الطاهرة كل يوم، علها تزهر في قلوب غافلة و توقظ عالما صامتا.

لقد غابت الإنسانية حتى كدنا نعتقد أنها لفظت أنفاسها الأخيرة. غابت عن وجوه تتابع الأخبار ببرود، عن مؤسسات تصدر بيانات جافة، عن قوى كبرى لا ترى في الأطفال سوى “أرقام خسائر جانبية”. غابت الإنسانية حين صار الصمت تواطؤا، و الحياد خيانة.

لكن لا، وألف لا! لم تمت الإنسانية بعد.

ففي مكان آخر من هذا العالم، هناك من فضلوا السجن على الصمت، من رفعوا أصواتهم في وجه القمع نصرة لغزة، من آمنوا أن العدالة لا تتجزأ، وأن الطفل الغزي ليس أقل استحقاقا للحياة من أي طفل في العالم. هؤلاء هم بقايا الضمير، الذين يدفعون أثمنة شخصية باهظة، ليقولوا للعالم أن الإنسانية لا تزال حية، حتى وإن خذلها كثيرون.

غزة اليوم ليست مجرد أرض تقصف، إنها مرآة العالم كله. أطفالها الجائعون يفضحون عجز المنظمات، دماؤهم تكشف هشاشة شعارات الحرية، وابتساماتهم رغم الجراح تذكرنا أن الطفولة أقوى من الدمار.

فأي عذر بعد ذلك يبقى لنا إن لم ننتصر لهم؟

إن الوقوف مع غزة ليس خياراً سياسياً ولا موقفاً عابرا، بل هو انتماء للإنسانية ذاتها. فمن لم ير الإنسانية في عيون أطفال غزة، فلن يجدها في أي مكان آخر.

فلتكن إنسانيتنا فعلاً و ليس فقط كلاما كأنه حبرا على ورق، رحمة وليس فقط خطبا، عطاء وليس صورة عابرة. و لنتذكر أن غزة هي امتحان مفتوح لضمائر البشر، ومن يسقط فيه يفقد شرف الانتماء إلى الإنسانية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى