نادية هارون تكتب : معركة وجود .. لا مجال للإنقسام
تلويح ترامب بأن غزة ستكون تحت حكم أمريكي مباشر يفتح سيناريو بالغ الخطورة على المنطقة كلها، فهو يعني فتح الباب لعمليات تهجير قسري واسعة نحو سيناء، ومصر لن تقبل أن تتحول حدودها الشرقية إلى قاعدة أمريكية أو إسرائيلية، لكن ماذا سيحدث في حال اندفع أهالي غزة المهددون بالاقتلاع نحو الحدود المصرية؟، هل ستكون مواجهة أمنية؟ أم عسكرية؟، ربما يكون العمل الأقرب، أن يُترك المجال للمواجهة الشعبية، وأعتقد أن هذا هو الدور المنوط بإتحاد القبائل إذا لم يخب ظني في أسباب تكوينه.
وماذا إذا فُرِضت علينا المواجهة مع أمريكا فكيف سيكون الموقف العربي والأوروبي؟، فيما يخص الموقف العربي، فأغلب الأنظمة العربية مرتهنة بوجود قواعد أمريكية، وتهديد ترامب بالاستيلاء على أراضي هذه القواعد بالقوة يعني تحوّل الوجود الأمريكي من اتفاقيات دفاع إلى احتلال، ربما يهرول بعض الحكام العرب نحو إسرائيل لأنها رضا واشنطن، ومصر يجب ألا تراهن كثيرًا على دعم عسكري عربي شامل، لكنها ستجد تأييدًا شعبيًا عربيًا ضاغطًا، وقد تتولد موجات غضب واسعة في الشارع العربي، واحتمالات انفجار داخلي، وربما تظهر مقاومات شعبية جديدة، كما حدث خلال فترات الاستعمار القديمة.
أما الموقف الأوروبي، فبريطانيا تحديدًا قد تكون أول الداعمين لواشنطن استخباراتيًا ولوجستيًا، لكنها لن تسانده عسكريا، ربما تخوفًا على 10 مليار دولار حجم إستثماراتها في مصر، بينما فرنسا وإيطاليا وألمانيا ستتردد في الانجرار إلى مواجهة عسكرية لأنها تهدد مصالحها في الغاز وأمن المتوسط، ولكن أوروبا كلها من المؤكد أنها ستشارك في الضغط السياسي والاقتصادي على مصر، ويبقى السؤال: هل مصر قادرة على المواجهة منفردة؟.
الواقع أن الجيش المصري من أكبر الجيوش الإقليمية وأكثرها تنوعًا في مصادر السلاح، وقادر على صد أي محاولة لفرض تهجير بالقوة، وإن كان الصدام المباشر مع الولايات المتحدة أو إسرائيل مكلفًا وصعبًا، وسيكون مرهقًا إقتصاديًا على مصر في حال طلبت المسانده من الصين وروسيا، وعلى الرغم من ذلك فمصر تملك أوراق ضغط قوية منها قناة السويس كورقة أولى قادرة على شل حركة التجارة الدولية، وملف الغاز والطاقة ورقة ثانية _ إذ تعتمد أوروبا على دور مصر كمركز تسييل وتصدير لغاز شرق المتوسط_، ثم ملف الهجرة ورقة ثالثة، والتي تهدد العواصم الأوروبية بكابوس تدفق مئات الآلاف من المهاجرين، يضاف إلى ذلك النفوذ المصري في ليبيا والسودان، ودور القاهرة في مكافحة الإرهاب.
لكن ورقة الضغط الأقوى هي الشعب المصري، فأكثر ما يقلق الغرب أن أي تهديد لسيناء سيذيب الخلافات الداخلية، ويفجر وحدة وطنية صلبة خلف الدولة المصرية، وانتفاضة شعبية بهذا الحجم بعدما كان في 2013 تعني انفجارًا اجتماعيًا وسياسيًا يربك المنطقة كلها ويهدد أوروبا بتبعات غير قابلة للسيطرة، فمصر ليست الحلقة الأضعف في المعادلة، بل قوة إقليمية تمتلك أوراق ردع حقيقية، ومن ثم، فإن الصراع القادم إذا فُرض، لن يكون مجرد نزاع على غزة، بل معركة وجود ستحدد موقع مصر والمنطقة كلها.
في النهاية أقول: إن مصر ليست دولة صغيرة يمكن ابتلاعها، بل قوة إقليمية، إلا أن التحصين يبدأ من الداخل في وحدة الصف، والشعب المصري يرى سيناء خطًا أحمر، والذاكرة الجمعية مرتبطة بحروب 1967–1973، ما يعزز الروح الوطنية إذا طرأ تهديد مباشر، والشعب سيكون السند الأكبر، لأن المعركة ستكون صراع وجود وليس مجرد نزاع حدود، إلّا أنه لابد من إجراء إصلاح اقتصادي سريع، ثم خطاب اعلامي موحّد لدعم وحدة الشعب وإستنهاضه.






