الجهد الذي يتطلب العزائم .. بقلم / محمـــد الدكـــروري

 

الحمد لله بما أسدى والشكر له ما تنسمت علي الخلائق جدواء، فأي آلاء الله أحق أن تُشكر؟ أجميل أظهره؟ أم قبيح ستره وما أبدى؟ ولم تزل آلاء ربك تتوالى، ما منّ ربك عطائه، وما أكدي وما أكدى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، ثم أما بعد من الناس من نظروا إلى السيرة النبوية الشريفة على أنها قصص يوردونها، وفصول يسردونها، دون متابعة وإقتداء، فلا تحرك قلوبا، ولا تثير وهمما، وأبو القاسم محمد صلى الله عليه وسلم مع كونه عظيما من عظماء التاريخ، فإن شرف النبوة وتاج الرسالة هو الذي يحتم له المحبة والإتباع، وإن إرتباطنا برسولنا وحبيبنا المصطفي صلى الله عليه وسلم، وسيرته العطرة ليس إرتباط أوقات ومناسبات.

ولا حديث معجزات وذكريات، بل إنه إرتباط وثيق في كل الظروف وجميع الشئون وأحوال الحياة إلى الممات، وشخصيته صلى الله عليه وسلم ليست شخصية مغمورة، ولا في ثنايا التاريخ مطمورة، تبرز حينا وتطوى حينا، حاشاه عليه الصلاة والسلام فداه أبي وأمي، بل إن ذكره يملأ الآفاق، والشهادة برسالته تدوي عبر المآذن والمنابر، وتنطلق عبر الحناجر والمنائر، والمسلم الذي لا يعيش الرسول صلى الله عليه وسلم في ضميره، ولا تتبعه بصيرته في عمله وتفكيره في كل لحظة من لحظاته لا يغني عنه أبدا التغني بسيرته، ولا صيغة النعوت في مدائحه، وليس هناك أغلى وأعلى من مدح ربه جل وعلا له وثنائه عليه، وما جنح المسلمون إلى مثل هذا اللون في الإفصاح عن تعلقهم بنبيهم إلا يوم أن أعياهم حمل العمل، وتركت نفوسهم العزمات، وإستسلمت للتواني والكسل.

فالجهد الذي يتطلب العزائم هو الإستمساك والإقتداء، فبدلا من التغني والترنم ينهض المسلم الجاد إلى تقويم نفسه، وإصلاح شأنه حتى يحقق الإقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم، وحتى يترجم تلك الدعاوى إلى واقع عملي في كل شئونه، في معاشه ومعاده، وحربه وسلمه وعلمه وعمله، وعباداته ومعاملاته، وإن تحويل الإسلام إلى هز للرؤوس وتضخيم للعمائم، وإطالة للسبح يصاحب ذلك تعلق بأذكار وتسابيح، وتمسك بقصائد وتواشيح لشيء عجيب يحار العقل في قبوله، والأدهى من ذلك أن تكون هذه الأمور معايير لصدق المحبة وعدمها، ومقاييس يرمى كل من تركها وإستبان عورها بتنقصه للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتلك شنشنة نعرفها من أخزم، فحب رسولنا صلى الله عليه وسلم في أعماق النفوس، وفي شغاف قلوبنا مغروس.

ولا يغيض حبه إلا من قلب منافق متعوس منحوس، ومن أسف أن أعداء الملة تمكنوا في غفلة من المصلحين أن يصدعوا بناءه وينقضوا أركانه، فيقول الله تعالي ” وذر الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا ” فكيف يا أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم يترك ميراث النبوة نهبا للعوادي؟ وكيف يقع التبديل والتغيير في دين الله في غفلة وسكون؟ وكيف يمهد للجاهلية الأولى أن تعود من جديد؟ ألا فليفقه المسلمون سيرةَ رسولهم الحبيب المصطفي صلى الله عليه وسلم فقها مؤصلا بالدليل والبرهان والسير على منهج سلف الأمة قبل أن تأخذ السبل الملتوية بهم، فتطوح بهم بعيدا عن الجادة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فيا أمة الإسلام لقد جربت الأمة هذه المظاهر بعد انحسار القرون الثلاثة المفضلة فلم تجد شيئا، لم تعد عزة، ولم تورث منعة، ولم ترجع مقدسات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى