قطاع التعليم بالمغرب .. الحقيقة المرة

الزهرة العناق
أضحى التعليم في المغرب حقلًا للتجارب المؤقتة، أو بالأحرى ساحة للحلول الترقيعية، حيث السياسات المتقلبة تهدر الموارد و الطاقات، و تكسر سلسلة التعلم المستمر. إنها أزمة عميقة الجذور، يجد فيها الأستاذ والأسرة والطالب أنفسهم جميعًا أمام واقع متناقض لا يرسو على حال.
إن الإفراط في تغيير التجارب، دون إتاحة الزمن الكافي لترسيخها و تحليل نتائجها، يجعل الأستاذ في وضع أشبه بالركض داخل حلقة مفرغة؛ تتبدل المناهج والبرامج بلا انقطاع، فتتبدد معه قيمة الخبرة. ويزيد الأمر تعقيدًا ذلك الزخم اللغوي و المنهجي، حيث تفرض على المربين مفاهيم غريبة أو ضبابية، دون أن ترفق بأدوات واضحة لترجمتها عمليًا في قاعات الدرس.
أما مسألة الفرنسة وفرضها في مواد أساسية دون إعداد و تكوين متكامل للتلاميذ، فهي وجه آخر لعدم الانسجام بين السياسات والواقع، تزيد من الفجوة بين التنظير و الإنجاز. هذا التضارب اللغوي ليس سوى انعكاس لغياب رؤية استراتيجية واضحة و متينة، ويجعل هوية المنظومة التعليمية عرضة لامتحان دائم.
ويقدم المغرب من خلال هذه الصورة درسا بليغًا: أن الاستثمار طويل الأمد في الأستاذ، وضمان الاستقرار المنهجي، هو السبيل الأمثل لتشييد منظومة تعليمية قادرة على المنافسة عالميًا. أما التغيير المستمر، مهما حسنت النوايا، فلا ولن يثمر إلا بإضعاف للتراكم المعرفي و هدر لثمار الاستثمار الحقيقي في التعليم.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مبادرات عابرة أو مساحيق لغوية براقة، بل إلى رؤية واضحة ومستقرة، تتيح للأساتذة والتلاميذ وأولياء الأمور فضاء للبناء التدريجي، بعيدًا عن الارتجال والحلول الترقيعية. فالتعليم ليس عبئا على الميزانية ولا مضيعة للوقت، بل هو الرأسمال الأثمن الذي يزرع اليوم ليحصد غدًا.
أخيرا وليس آخرا، الترميم دون تشكيل، لا ينقذ سفينة تتنازعها الأمواج، بل يتركها عالقة في بحر لا شاطئ له. وحده التشكيل المتأني العميق قادر على أن يمنح التعليم ملامحه الحقيقية، ويعيد إليه هيبته المفقودة، ويؤسس لمستقبل لا يخون انتظارات أجيال برمتها.






