حقيبة سفر قصة قصيرة بقلم: تهاني عدس

حقيبة سفر
قصة قصيرة
بقلم: تهاني عدس
في مثل هذا اليوم من عام ٢٠٠١، وكان قد مضى عامين على هجرتي من موطني الأصلي إلى بلد آخر وهي الولايات المتحدة الأميركية .
ولأسباب متعددة ومتنوعة، كنت قد اتخذت قراراً بالعودة مرة أخرى وللأبد إلى مصر.
لكن القدر يدعنا نخطط كما نشاء، ويفعل هو بنا ما يشاء.
في مساء يوم العاشر من سبتمبر. عندما قمت بتجهيز حقيبتي لكي أغادر إلى مطار شيكاغو ومنه إلى القاهرة في اليوم التالي.
لم أكن أعلم ما الذي سيحدث؛ لكن ماحدث لم يخطر على بالي ولا على بال العالم أجمع.
في الصباح وفي الساعة السابعة والربع تقريباً بتوقيت الوسط الغربي الأمريكي؛ رنَّ جرس الهاتف بلا توقف. وهذا لا يحدث إلا إذا وقعت مصيبة.
وعلى عكس الآن، لم تكن الهواتف المحمولة الذكية منتشرة ومتوفرة. بل كانت وسيلة الإتصال الممكنة لدينا بالمنازل من خلال الهاتف الأرضي السلكي واللاسلكي. فكان علي أن أنهض وأتوجه إلى الهاتف المثبت بحائط المطبخ كي أجيب…
عندما رنَّ جرس الهاتف، نهضت بسرعة، أهرول بإتجاهه.
حاولت أن أتماسك، لكن قلبي كاد يتوقف من شدة الخوف.
لم يكن خوفاً من شيء محدد لأن عقلي كان مرتبكاً و لم يسمح لي حتى أن أتوقع أي شيء. لكنه في بضع لحظات، استطاع أن يخيل لي أسوأ السيناريوهات الممكنة.
التقطت سماعة الهاتف، فوجدت سيدة أمريكية أعرفها. لم تعطني فرصة لأرحب بها.
قالت بهلع شديد: كارثة! كارثة تحدث الآن في نيويورك. افتحي التلفاز!
أسرعت إلى طاولة صغيرة بوسط غرفة المعيشة التي كانت على بعد خطوات قليلة منى
التقطت ريموت التحكم ؛ وبدأت أشاهد في ذهول، وكأني أشاهد فيلماً سينمائياً من أفلام الرعب أو الخيال العلمي.
المشهد المرعب كان لتحطم الرحلة الجوية ١١ التابعة لـ أمريكان إيرلاينز في البرج الشمالي لمركز التجارة العالمي.
طائرة ترتطم بالبرج وتنفجر بداخله. أشخاص يقفزون من الطوابق العلوية، و يتطايرون في الهواء مثل قصاقيص ورقية مشتعلة، بعد أن فقدوا الأمل في النجاة.
كل هذا يحدث وسط تصاعد الأدخنة السوداء والداكنة وألسنة اللهب الحمراء المنبعثة من كل جانب من جوانب البرج.
ثم حانت اللحظة الأكثر رعبا من المشهد، وهي عندما انهار البرج الشمالي ثم تبعه سقوط البرج الجنوبي بعد تحطم الرحلة الجوية ١٧٥ التابعة لـ يونايتد إيرلاينز به.
في تلك اللحظة، ظننت أن الأمر مجرد ارتطام طائرتين عن طريق الخطأ بالبرجين. ولم أتخيل أن الأمر ليس إلا بداية لسلسلة من الأحداث التي تعرف تاريخياً بأحداث الحادي عشر من سبتمبر. واعتبرت واحدة من أبشع الأعمال الإرهابية في التاريخ لتسببها في وقوع آلاف الضحايا والجرحى من المدنيين الأبرياء.
فبعد سقوط برجي التجارة العالمي بنيويورك، توالت الأحداث. تحطمت الرحلة الجوية ٧٧ التابعة لـ أمريكان إيرلاينز في البنتاغون، ثم تحطمت الرحلة ٩٣ التابعة لـ يونايتد إيرلاينز في بنسلفانيا.
لم تكن الخطورة من هذه الكارثة ما حدث أثناءها فقط ، بل ما حدث بعدها كان أخطر.
فدواعي هذه الأزمة كانت خطيرة على المسلمين خاصة المقيمين داخل البلاد. لأن أصابع الإتهام أشارت وبسرعة أن الذين قاموا بتنفيذ الهجوم، كانوا مسلمين.
بالرغم من أن بعض النشطاء شككوا في أن هؤلاء الأشخاص لا يمكن ان يكونوا من قاموا بالتخطيط والتنظيم والتنفيذ لعمل ضخم مثل هذا، لكنهم لم يقدموا أدلة مادية كافية لإثبات شكوكهم.
إنما إذا صدقت تلك الشكوك، ستعد هذه الأحداث اكبر خدعة للبشرية في التاريخ الحديث.
الغضب الشعبي في الولايات المتحدة الأمريكية ضد المسلمين داخل البلاد وخارجها كان عارماً، والذي للأسف لم ينته حتى الآن.
هذا الغضب حوَّل أمريكا إلى ثور جريح هائج، أصم ومعصب العينين، يفتك بأعدائه، غير واعٍ بأنه سيدمر نفسه أيضاً.
ثم توالت التداعيات لهذا الحادث المرعب. بعد انتهاء الهجوم الذي استمر لما يقرب من ثلاثة ساعات، صدرت قرارات بغلق كل المطارات وتوقفت كل الرحلات الجوية المتجهة من وإلى بلدان العالم المختلفة.
وانشغلت بمتابعة هذه التطورات ونسيت تماماً قراري بالرحيل وحقيبة السفر.
—————






