نادية هارون تكتب:بين الدوحة والقاهرة .. الفارق كبير

الضربة الإسرائيلية التي هزّت الدوحة لم تكن مجرد حادث عابر، بل تحوّلت إلى فصل جديد في إختبار وتغيير في التوازنات الإقليمية، وفتحت الباب لأسئلة كبرى حول موقع قطر، ومستقبل الوساطة، وحدود الأمن العربي، وكان من أهم التأثيرات المباشرة لهذه الضربه تعطيل المفاوضات الخاصة بصفقة تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار، و توتر علاقات إسرائيل بالخليج وخصوصًا قطر بشكل غير مسبوق، وأضعفت القنوات الدبلوماسية التي كانت تُستخدم كجسور للوصول لحلول وإن كانت مؤقتة.

لن أتحدث عن المخاطر الأمنية على المستوى الإقليمي والدولي وإنما أحاول قراءة ما حدث من زاوية مختلفة، وهنا سؤال لابد منه : لماذا إستهدفت إسرائيل قادة حماس في الدوحة ولم تستهدفهم في القاهرة؟! وببساطة، وبعيدا عن الحديث عن قوة الجيش المصري وعدم رغبة إسرائيل في مواجهة مباشرة مع مصر، لكن هناك أسباب أخرى والفارق هنا كبير فمصر تاريخيًا تلعب دور الوسيط بين حماس وإسرائيل، سواء في وقف إطلاق النار أو تبادل الأسرى، ولديها اتفاقية سلام (كامب ديفيد) وتعاون أمني مع إسرائيل، وبالتالي فاستضافة حماس هو جزء من إدارة الملف الفلسطيني، وكانت استضافة القاهرة لوفود حماس دائمًا مرتبطة بجلسات تفاوضية ثم يعودون إلى غزة أو الدوحة، فمصر تحرص على أن تكون وسيط يخدم استقرار غزة وحماية أمنها القومي (خاصة حدود سيناء).

أما قطر فمنذ منتصف التسعينيات قد بنت علاقة خاصة مع حماس، وفتحت مكتبًا سياسيًا دائمًا للحركة في الدوحة، وإعتُبِرَت الملاذ السياسي والمالي للحركة، وأقام بها قادة حماس مثل خالد مشعل وإسماعيل هنية سنوات طويلة مع أسرهم، هذا جعل إسرائيل والولايات المتحدة تعتبر أن الدوحة ليست مجرد وسيط، بل حليف سياسي ومالي لحماس، قطر تنتهج سياسة الجمع بين الأضداد واللعب على كل الحبال، فتظهر كراعٍ للمقاومة عبر دعم حماس سياسيًا وإعلاميًا عبر قناة الجزيرة، وتعمل على المحافظة على تحالفها مع أمريكا وتنسق مع إسرائيل في ملفات غزة، هذه الاستراتيجية منحتها نفوذًا يتجاوز حجمها، قطر تدعم حماس لتكسب نفوذًا عربيًا وإسلاميًا، وتنسق مع إسرائيل وأمريكا لتحمي نفسها، لذلك الضربة الإسرائيلية في الدوحة لم تكن ضد قيادات حماس فقط بل رسالة سياسية مباشرة لقطر “أنتم لستم وسطاء محايدين بل شركاء”.

الفرق أن مصر لم تتعرض لمثل هذا الموقف لأنها لم تضع نفسها طرفًا، بل وسيطًا ضروريًا، وتعاملت مع حماس في إطار الوساطة لا الإقامة الدائمة، فظلت مقبولة من جميع الأطراف، بينما سقطت الدوحة لأنها تجاوزت دور الوسيط إلى دور الحليف والممول، وأصبحت مهزوزة لأنها دخلت لعبة التناقضات.

وهنا يجب أن يكون الدرس أوضح من أي وقت مضى، وعلى حكام الخليج الذين يهرولون نحو تل أبيب أن يعلموا أن لا أحد في مأمن، ومن راهن على أن إسرائيل ستوفر له الحماية، وجدها تزرع الخطر في بيته،  والتطبيع لا يردع الغدر، ومن توهم أن القاعدة الأميركية كفيلة بضمان الأمن، أدرك أن واشنطن لا تحمي إلا مصالحها، وستترك حلفاءها في مهب الريح ساعة الجد، وكذلك دول أوروبا، الكل يبحث عن مصالحه الخاصة، فإذا كانت الدوحة، بكل علاقاتها وتشابكاتها، لم تسلم من الاستهداف، فماذا عن بقية الدول التي تسير في الاتجاه ذاته؟

نعم الضربة تُعدّ إهانة للسيادة العربية، لكن دعونا نبحث عن الإيجابي لهذه العملية إذا أحسن العرب استثماره، فقد كشفت حقيقة إسرائيل التي لا تفرّق بين عاصمة عربية أو أرض فلسطينية، إذا رأت هدفًا، فتضربه، لذا لابد أن يفهم العرب أن تل أبيب لا تُعامل أحدًا كحليف حقيقي، بل كأداة وقتيّة، وبعد أن راهنت كثير من الدول الخليجية على التطبيع مع إسرائيل لتحقيق الأمن أو النفوذ، جاءت الضربة في قلب الدوحة لتبيّن أن التطبيع لن يمنع غدر إسرائيل التي لا حليف لها، ولا يضمن الحماية، كما وأبرزت أن مصر هي ضابط الإيقاع الإقليمي، لأنها تعاملت دائمًا بصفة الوسيط الذي لا غنى عنه، وهذا لابد أن يدفع العرب لإعادة النظر أن المظلة المصرية هي الملاذ الآمن وصمام الأمان الإقليمي من الرهان على إسرائيل.

الرد الحقيقي ليس في مزيد من الهرولة نحو تل أبيب، بل في بناء جبهة عربية متماسكة، تستند إلى أمن جماعي وتكاتف حقيقي، ومصر بما تملكه من خبرة وموقع وجيش مؤهل، يمكن أن تقود مظلة أمن عربية كما يرى العديد من المحللين، لكن السيناريو الأكثر واقعية ليس كما يرى البعض في إنشاء “ناتو” عربي شامل، إذ يَصْعُب جمع 22  دولة في وقت قصير، فالإنقسام العربي لا يزال واضحًا نظرًا للإرتباطات المتناقضة بالقوى الكبرى، والأولويات مختلفة بين الخليج ومصر والمغرب العربي، لكن يمكن البدء بتحالف مصغّر يبدأ بمصر والسعودية والإمارات والأردن وربما لاحقًا تنضم دولًا أخرى، وألا يكون عسكريا سواء جويا أو غير ذلك فقط، بل ويوحد الموقف السياسي والدبلوماسي بدل أن تُستهدف كل دولة منفردة.

في النهاية أقول: أن الضربة على الدوحة جاءت إنذارًا لكل الخليج “أنتم لستم في مأمن، ولن تكونوا، ما دمتم تراهنون على عدو”، ويبقى السؤال: هل يستغل العرب هذه اللحظة ليجتمعوا على كلمة رجل واحد، أم تضيع الفرصة كما ضاعت فرص كثيرة من قبل؟.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى