اعترافات معلم مصري .. بقلم/ هيام بيومى

أكتب هذه الكلمات لا لأشكو، بل لأحكي عن حكاية تمتد لسنوات طويلة، حكاية كل من وقف أمام سبورة بيضاء وفصل مزدحم، يحمل في قلبه حلمًا أن يغير شيئًا في عقول ووجدان طلابه. أنا معلم مصري، أحمل لقبًا شرفيًا عظيمًا، لكن واقعي يثقل كاهلي أكثر مما يتخيل الآخرون.. فأن تكون معلمًا في مصر يعني أن تعيش حاملاً رسالة أثقل من الجبال، رسالة تنقش في العقول وتغرس في القلوب، لكنك في المقابل تمضي يومك مثقلًا بأعباء الواقع وضيق الحال. فالمعلم هو البداية لكل إصلاح، وهو الأساس الذي تُبنى عليه الأوطان، غير أن هذا الأساس بات اليوم يئن تحت وطأة الإهمال وقلة التقدير، بين ماضي الهيبة واحترام المجتمع، وحاضر المعاناة الاقتصادية والاجتماعية، يقف المعلم المصري متسائلًا: -هل لي مستقبل يليق بما أقدمه؟
أولًا: أعباء لا تنتهي
حين أدخل الفصل مطالب أن اكون كل شىء في وقت واحد، أكون المربي الذي يغرس القيم، والعالِم الذي يشرح مادته بحب وعطاء، كما يجب ألا أنسى دوري كأب أو أم تحاضن هموم طلابها، تبتسم رغم كل وجع، ولا يمكنها التوقف عند ذلك فعليها أن تقوم بأعمال الإشراف والمتابعة والاحتياطي، إن وراء ذلك الجهد الكبير واقعًا صعبًا: رواتب بالكاد تكفي أبسط الاحتياجات، ضغوط مهنية لا تهدأ وأوجعها وأصعبها على المعلم هو غياب التقدير المجتمعي الذي كان يحظى به المعلم قديمًا.
إن أخطر ما يواجه المعلم الآن هو تحميله كل جوانب قصور العملية التعليمية وخصوصًا من قبل أولياء الأمور الذين لا يرون غير ما ينقص طلابهم من حقوق لا ننكرها لكننا لا نملك حلولًا له؛ من عجز في عدد المعلمين وقلة الإمكانيات وخصوصية مهنتة التي تستوجب نفسية وطاقة جبارة ليستوعب ذلك العدد الكبير من العقول والقلوب التي تكون متعلقه به نفسيًا وتعليميًا وتكون في نفس الوقت بحاجة ليسمع مطالبهم وهمومهم وأوجاعهم.. كل ذلك وهو يصارع واقع مؤلم وصورة مجتمعية تكاد تجعل منه تاجرًا يسوق لبضاعته وهي الدروس الخصوصية أو شخصًا مهملًا لمجرد أن ينسى يومًا أن يبتسم لطالب أو يرفع صوته موبخًا آخر على سوء خلقه او سوء تصرفه.

ثانيًا : أوجاع المعلم الصامتة:
إن حال المعلم في مصر لا يخفى على أحد ولا اخص هنا من يتخذون من الدروس الخصوصية دخلًا رئيسيًا لهم بل أتحدث عن السواد الاعظم ممن لا يعطون دروسًا منزلية أو معلمي النشاط والمجالات والاخصائيين، إن تلك الفئة تمثل الغالبية العظمى التي تقف بين مطرقة التوقعات وسندان الإمكانيات.. يعانون في صمت بينما المجتمع ينتظر منهم أن يخرجوا أجيالًا ناجحة ومبدعة، بينما هو نفسه قد يواجه أزمات اقتصادية وأولها هي ثبات مرتباتهم على أساسي قديم بينما الخصومات على أساسي حديث، منطق غريب في تحديد الأجور وتحديد الخصومات، فإما توحيد سنة الأساسي وسنة الخصم وإما عمل دراسة حقيقية هدفها تحديد مطالب المعلمين وحلها بما لا يتعارض مع صالح الدولة أو الميزانية وبالطبع عندنا عقول مبدعة تستطيع إيجاد حلول تساعد المعلم على تحسين حياته حقيقة وليس كلامًا فقط، ولعل أعظم دليل على تردي حالة المعلم هو يضطر للبحث عن عمل بعد المدرسة عملًا إضافيًا ليضمن لأسرته حياة كريمة
ثالثًا المستقبل: بين الحلم والواقع
رغم كل هذه التحديات، يظل الأمل قائمًا. كثير من المعلمين يؤمنون أن رسالتهم أعظم من المعاناة، يحلمون بمستقبل أفضل، تتحقق فيه إصلاحات جذرية وهي:
رفع رواتب المعلم بما يليق بمكانته- تخفيف الأعباء الإدارية ليتفرغ لرسالته التربوية، وتدريب مستمر يواكب التطور العلمي والتكنولوجي، وقبل كل ذلك عمل توعية مجتمعية عن خطورة دوره وضرورة تحسين صورته وخصوصًا في عقول طلابه.
كلمة أخيرة
المعلم ليس مجرد موظف يؤدي عملًا، بل هو صانع الإنسان، والمجتمع الذي لا يحترم معلميه ولا يرفع من شأنهم، لن يعرف طريق النهضة أبدًا. مستقبل التعليم في مصر مرهون بمستقبل المعلم، وإذا أردنا إصلاحًا حقيقيًا فلتكن البداية من الإنسان الذي يقف أمام السبورة ويحمل في قلبه حلمًا أن يغير العالم.






