الدكتور علي عبدالحكيم الطحاوي يكتب: مصر صانعة السلام والاستقرار في المنطقة
خبير العلاقات الدولية والاستراتيجية

جاء الاتفاق الأخير لوقف الحرب في غزة ليجدد التأكيد على أن مصر كانت وما زالت صانعة السلام وركيزة الاستقرار في الشرق الأوسط وأن دورها الريادي في إدارة الأزمات الإقليمية لا ينبع من موقعها الجغرافي فقط بل من ثقلها السياسي والتاريخي ومصداقيتها أمام جميع الأطراف .
لأن منذ ٧ من أكتوبر 2023 واندلاع الأحداث في قطاع غزة كانت أول دعوات للتهدئة والسلام في المنطقة من مصر بدعوة من الرئيس عبدالفتاح السيسي لعقد قمة القاهرة للسلام 2023 م وظلت القاهرة تتابع المشهد بكل دقة وتحذر من مخاطر التصعيد وتداعياته على الأمن الإقليمي والدولي في كل المحافل الدولية حتي
شهد العالم لحظة تاريخية تجسد انتصار إرادة السلام على منطق الحرب من شرم الشيخ ارض السلام ومهد الحوار والتقارب تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في غزة بعد عامين من المعاناة وفقاً لخطة السلام التي طرحها الرئيس ترامب وبرعاية مصر وقطر والولايات المتحدة الأمريكية .
ومنذ تفاقم الأوضاع الإنسانية في قطاع عزة ظل تحرك الدبلوماسية المصرية بخطوات متزنة لتقود جهودًا مكثفة حتي أفضت إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين الجانبين في خطوة عكست عمق الخبرة المصرية وقدرتها على جمع الفرقاء على طاولة واحدة .
وجاء هذا الاتفاق برعاية مصرية من الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي أكد منذ بداية الأزمة أن مصر لن تتخلى عن مسؤوليتها التاريخية تجاه الشعب الفلسطيني وأنها تعمل من أجل حماية المدنيين ووقف نزيف الدم وإعادة إطلاق مسار السلام العادل والشامل الذي يضمن حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة .
ومن خلال الدور التاريخي لمصر في المنطقة والتنسيق المستمر مع القوى الإقليمية والدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من أجل الوصول إلى اتفاق يعيد الهدوء ويمنح الفرصة للحوار السياسي بدلاً من لغة السلاح .
وأرى الدور المصري لم يتوقف عند حدود الوساطة السياسية بل ظل ممتد ومتوازي إلى البعد الإنساني والإغاثي على مدار الساعة من خلال إدخال المساعدات الطبية والغذائية والإغاثية إلى قطاع غزة والتنسيق مع المنظمات الدولية لتأمين احتياجات السكان في موقف يعكس عمق الإنسانية المصرية والتزامها الأخلاقي تجاه أشقائها العرب .
لذلك أرى النهج المصري في التعامل مع الأزمات يقوم على مبدأين ثابتين: الأول هو رفض الحلول العسكرية التي لا تنتج سوى المزيد من الدمار والمعاناة، والثاني هو الإيمان بأن السلام العادل والشامل هو السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار لجميع شعوب المنطقة .
ولهذا تؤكد القاهرة دائمًا أن الطريق إلى سلام دائم يبدأ من الاعتراف بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية .
حتي أتى توقيع اتفاق وقف إطلاق النار ليتجدد الأمل في أن تمهد هذه الخطوة لبداية مسار سياسي جديد تدعمه مصر بكل ثقلها الدبلوماسي بهدف استئناف المفاوضات والتوصل إلى تسوية نهائية تضع حدًا لدائرة العنف المستمرة منذ عقود وتفتح أمام شعوب المنطقة طريقًا نحو التنمية والسلام .
وفي ضوء هذه التطورات يمكن القول إن مصر استطاعت أن تعيد التوازن للمشهد الإقليمي وأن تثبت أن صوت الحكمة لا يزال قادرًا على الانتصار في زمن الضجيج السياسي .
فبينما يهرول البعض نحو التصعيد تصر القاهرة على أن السلام هو الخيار الأوحد القادر على تحقيق أمن دائم وازدهار حقيقي في الشرق الأوسط .
لإن ما قامت به مصر في هذه الأزمة هو امتداد لدورها التاريخي منذ اتفاقية كامب ديفيد وحتى اليوم حيث كانت ولا تزال مركز الثقل العربي والدولي في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ومن هنا تظل مصر بحق صانعة السلام وحارسة الاستقرار في المنطقة لأنها تمارس دبلوماسية مسؤولة تجمع بين الواقعية والحكمة وتضع مصلحة الشعوب فوق كل اعتبار ولا تسعى إلى مجد سياسي أو مكاسب آنية بل تتحرك من منطلق وطني وعربي نابع من مسؤوليتها التاريخية وحرصها على حماية الأمن القومي العربي والحفاظ على استقرار المنطقة في مواجهة محاولات إشعال الفوضى أو استغلال الأزمات لتحقيق مصالح شخصية لبعض الدول .
ولولا إرادة الله أولاً ثم مصر وفخامة الرئيس السيسي لكانت المنطقة اشتعلت وضاعت القضية الفلسطينية للأبد .



