فاطمه قرون تكتب:خلاف رئيس الأركان ووزير الدفاع يعكس تداعيات فشل السابع من أكتوبر ومستقبل إسرائيل

الخلاف بين رئيس الأركان إيال زامير ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ليس مجرد حدث عابر، بل يعكس أزمة بنيوية في إسرائيل بعد فشل السابع من أكتوبر، حيث باتت قضية المسؤولية عن القرارات المصيرية موضع صراع علني بين الجيش والقيادة السياسية. زامير، في خطابه بمناسبة الذكرى 52 لوفاة بن غوريون، لم يكتفِ بتأكيد مسؤولية الجيش، بل وجه انتقادات مباشرة وغير مسبوقة للقيادة السياسية، محمّلاً إياها مسؤولية التخبط والتهرب من المحاسبة، إذ قال زامير: “بات واضحًا لنا الآن بما لا يدع مجالًا للشك: التفسير لا يكفي، والنقد لا يكفي. إسرائيل بحاجة إلى قيادة تعترف بالفشل، ومع ذلك تجرؤ على قيادة التغيير – ليس قيادة مراوغة، بل قيادة تنظر في الحقيقة في العين وتحدد اتجاها جديدا، ليس قيادة تتنصل من المسؤولية، بل قيادة تُواجه الحقيقة بواقعية”.

هذه الرسالة لم تكن موجهة للجيش فقط، بل كانت انتقادًا صريحًا للقيادة السياسية التي تتهرب من المساءلة وتلقي باللوم على الجيش، رغم أن الجيش، كما يؤكد زامير وقادة المؤسسة العسكرية وبعض أركان المعارضة وخبراء الأمن، لا ينفذ إلا أوامر المستوى السياسي الذي يملك القرار في إسرائيل.

الإعلام الإسرائيلي نقل عن زامير أيضاً قوله إن “المسؤولية القيادية هي القدرة على الاستمرار – إلى الأمام – بثقة، وبأمانة، وبتواضع، حتى عندما يكون الأمر صعبًا”. هذا التصريح جاء في سياق دفاعه عن تحقيقات الجيش الداخلية ومحاسبة المسؤولين العسكريين عن إخفاقات السابع من أكتوبر، في مقابل رفضه لمحاولات وزير الدفاع يسرائيل كاتس فرض تحقيق إضافي من مراقب وزارة الدفاع وتجميد ترقية الضباط وتسمية قادة الألوية والمناطق، معتبراً ذلك تدخلاً سياسياً يهدف لتسييس المحاسبة ونقل عبء الفشل كاملاً إلى الجيش، بالإضافة إلى فرض تعيينات على الجيش بهدف السيطرة السياسية عليه وفق ما حصل في الشرطة وغيرها.

الأزمة الحالية كشفت أن الجيش الإسرائيلي، رغم اعترافه بالفشل ومحاسبة ضباطه، لا يمكن أن يكون وحده مسؤولاً عن الكارثة، لأن القرار النهائي في يد القيادة السياسية، وهي التي تحدد السياسات وتصدر الأوامر.
أضف إلى ذلك إلى ان الجيش لا يزال يعتبر البثرة المقدسة والذي يحظى بشبه اجماع في الشارع الاسرائيلي.
هذه الأزمة ليست عابرة، بل هي انعكاس لتخبط عميق في إسرائيل بعد السابع من أكتوبر، حيث يحاول المستوى السياسي التنصل من المسؤولية التاريخية عن الفشل، بينما الجيش يواجه المحاسبة وحده. ويقول المحللون في اسرائيل ان كلام زامير جاء ليضع النقاط على الحروف وليقول: لا يمكن تحميل الجيش وحده عبء الهزيمة، ولا يمكن أن تستقيم المحاسبة دون مساءلة من يملك القرار، لأن الجيش في النهاية “جيش الشعب” وليس جيش السياسيين.

ويعتبر خبراء الأمن والسياسة في إسرائيل أن المشكلة تكمن في رفض المستوى السياسي بقيادة نتانياهو تشكيل لجنة تحقيق رسمية برئاسة قاض من المحكمة العليا والتي تملك الصلاحيات لتوجيه أصابع الاتهام نحو الحكومة وقادة الدولة والتوصية باستقالتهم فورا فضلا عن إمكانية تقديم من كان مسؤولا للمحاكمة سواء عسكري او سياسي.

ما يجري اليوم هو معركة حول جوهر القيادة والمسؤولية في إسرائيل، وهي مرشحة للتفاقم مع استمرار الخلافات حول لجان التحقيق، وقد يكون لها تداعيات عميقة على مستقبل النظام السياسي والعسكري في ظل عودة الانقسام على الإصلاحات القضائية والدعوة لسحب صلاحيات الجهاز القضائي والمتمثل في المحكمة العليا، هذه الخلافات والانقسامات ستؤثر حتما على قدرة الدولة العبرية مواجهة تحدياتها القادمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى