نادية هارون تكتب:إلحاد يطلب أتباعاً… ودين يطلب قدوة

محمد دياب

قرأتُ منشوراً عن اختفاء أحد الملحدين، ورغم أنني عادة لا ألتفت إلى مثل هذه القضايا، إلا أن الفضول دفعني لقراءة التعليقات، ففوجئت بالتباين الشديد فيها، فبعضهم يسخر منه، وبعضهم يتعاطف، بينما توقف آخرون عند قضية أعمق تتعلق بحرية الاعتقاد، مردّدين “أنتم تسبّون وليس فيكم من يملك ما يقنعه”، وهنا وجدتني أتساءل، هل نحن مُطالَبون أصلًا بإقناعه؟ من المؤكد أن أسرته حاولت، وربما أصدقاؤه أيضاً، لكن الهداية ليست مسؤولية فرد واحد، ولا تأتي بالإجبار.

لم يعد الجدل حول الإيمان والإلحاد مجرد فكرة تُناقش، بل صار ضجيجا يتكرر كلما ظهر شخص يعلن ابتعاده عن الدين، وقد كشفت أزمة هذا الملحد عن نقطة يغفلها كثيرون، ألا وهي وأن الملحد — في النهاية — اختار لنفسه طريقا، والسؤال ليس لماذا اختار، بل لماذا يسعى لتكوين رفاق لهذا الطريق؟ ولماذا يحاول إقناع الآخرين بأفكاره إن كان مقتنعا بها حقا؟ من يسير عكس اتجاه السير لا يحتاج إلى جمهور، بل يمضي وحده، أمّا محاولة تحويل القناعة الفردية إلى “رسالة” يّروَّج لها، فهي غالبا بحث عن تبرير داخلي للتمرُّد على تعاليم الدين وأوامر الله ونواهيه، بل، والخروج على الأعراف والتقاليد، والجَهر بالمعصية على إعتبار أنها حرية شخصية وأنه غير مؤمن بما يؤمن به من أراد له النصح والإرشاد، وفي الطرف المقابل، من حق المجتمع أن يعترض على الإساءة دون أن يطارد أحدا أو يحوّله إلى غنيمة، فحرية الاعتقاد لا تُلغي احترام الدين، كما أن الدفاع عن الدين لا يُلغي الرحمة.

والعجيب أن كل ضوضاء “الإقناع” تتجاهل درس التاريخ، فالإسلام لم يفتح قلوب الصين والهند بخُطب ولا مناظرات، بل بأخلاق التجار الذين حملوا الصدق قبل البضائع، والعدل قبل الكلمات، فوجد الناس فيهم نموذجاً حيًّا يسبق الشرح والتفسير، أحب الناس سلوكهم قبل أن يسمعوا آياتهم، ولهذا انتشر الإسلام بالقدوة قبل البيان، وبالنقاء قبل الجدال.

ومن المؤسف أن كل هذا يحدث في زمن نرى فيه المسلم أكثر مما نرى المؤمن، نرى المظهر ونفقد الجوهر، حجاب بلا أخلاق، ولحية بلا صدق، ورنّة هاتف دينية بلا ضمير أو وازع ديني، صار التدين عند البعض بطاقة تعريف لا منهج حياة، وصار الناس يُحاسَبون على ما يلبسون أكثر مما يُحاسَبون على ما يفعلون، وغاب عن كثيرين أن الدين لم ينزل ليُزيّن الشكل، بل ليهذّب السلوك ويصون القلب.

وقصة شريف جابر — بكل ما أثارته من ضجيج — ليست إلا مرآة تُظهر ما هو أعمق من فرد ابتعد عن الله، إنها تكشف خلل الحوار، وخلل القدوة، وخلل الفهم، بل، وخلل الدعوة وقصور أهل الدعوة، فالهداية لا تولد في ساحات السخرية، ولا تنمو في أرض العناد، بل تحتاج إلى رحمة تُلين القلوب، وقدوة تُنير الطريق، والحقيقة التي أعتقدها وأصدقها بل وأعتنقها أيضا أن الناس لا يبتعدون عن الدين لغياب الأدلة، بل لغياب النموذج الذي يحوّل الأدلة إلى حياة، وما نحتاجه اليوم ليس أصواتا أعلى، بل قلوبا أهدأ تدرك أن الطريق إلى الله لا يُشق بالضجيج، بل بالتأمّل، ولا يُفتح بالجدال، بل بالخلق والحوار بالتي هي أحسن.

في النهاية أقول قوله تعالى “وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقاً في الأرض أو سلماً في السماء فتأتيهم بآية، ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين” والآية تتحدث عن موقف سيدنا موسى عليه السلام من قومه عندما رفضوا الاستجابة للدعوة، وجاء أمر الله بألا تثقل على نفسك، فرفض الناس ليس مسؤوليتك، حتى لو كان بمقدورك إظهار معجزات خارقة تجعلهم يؤمنون، لا يضمن ذلك قبولهم، ولو أراد الله، لجمع كل البشر على الحق والهداية، ولكن حكمته سمحت لكل إنسان بحرية الاختيار،  وإقناع الناس ليس بالقوة أو الضغط عليهم، وكل شخص مسؤول عن قلبه وقراره أمام الله، فالهداية لا تأتي بالإكراه، ولا مسؤولية الإنسان هي فرض الإيمان على الآخرين، بل تقديم الحق بالقدوة والكلمة الطيبة، مع فهم أن القبول أو الرفض بيد الله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى