أخر الأخبار

طارق غريب يكتب ” أنا ” و لا

” أنا ” و لا

كنت أنا من قال لا

لا لأن التمرد هواية ، ولا لأن العناد شهوة قلب

بل لأن شيئاً في داخلي كان يرفض

أن يُطوى مثل ورقة في درج مظلم .

قلتها كما يقولها من يقف على حافة هاوية

يعلم تماماً أن خطوة واحدة تُنهي كل شيء

ومع ذلك يرفع وجهه إلى الريح.

لم يكن الثمن مجرد عقاب أو خسارة عابرة

كان سلسلة من الأبواب التي أغلقت في وجهي

أصواتاً تنطفئ حين أدخل

ووجوهاً تغير ملامحها حين أمضي

لكني أدركت مبكراً أن الإنسان الحقيقي

يُعرف بثمن كلمته لا بثمن صمته.

ومنذ تلك اللحظة

سار كل شيء من حولي كأنه يعيد تشكيل العالم ببطء الشوارع و الوجوه و الليل

وحتى الظلال التي كانت ترافقني تغيرت

لم أعد الرجل الذي يتكئ على وهم

صرت الرجل الذي يُحاسَب على الحقيقة التي ينطق بها

كنت أمشي في مساءات طويلة

شوارعها تمتد بلا نهاية

كأن المدينة تتواطأ مع وحدتي.

كل خطوة كانت تسترجع حدثاً

وكل رصيف يهمس : هكذا يكون الثمن

ولكنني كنت أواصل المشي لأن الصمت لا يشبهني

ولأنني حين قلت لا

فتحت باباً لم أعد أرغب في إغلاقه.

وفي منتصف تلك الليالي

كانت مريم تظهر في بالي فجأة.

لا تأتي كطيف عابر ، بل كظل يعرف أين يلمس الجرح ليهدأ. كانت تقول لي بصوتها الواثق :

“لم يقلها غيرك ، ولهذا تُحارب ”

ثم تتركني أمام المسافة التي علي إكمالها وحدي

كأن حضورها يكفي ليعيد توازني للحظة واحدة.

كنت أحياناً أشعر أنني أتحدث معها دون أن تكون هنا

أقول لها : أتعرفين يا مريم؟

إن قول “لا” لم يكن رفضاً للعالم ، بل اعترافاً بنفسي

كنت أريد أن أختبر إذا ما كنت قادراً على الثبات

حتى لو سقطت بعد ذلك بألف خطوة.

أردت أن أثبت لنفسي أنني لست مجرد ظل في حياة أحد

ولا رقماً في صف طويل ينتظر دوراً لا يأتي.

وكانت الإجابة دائماً تعود : أنت لست ظلاً

أنت الضوء الذي يخشاه الجميع حين يكون صادقاً

وهكذا استمرت رحلتي ، طويلة و بلا فواصل

بلا محطات استراحة.

كل يوم كان يحمل امتحاناً جديداً :

كلمة ، مواجهة ، خيبة ، أو انتصار صغير

لا يلاحظه أحد سواي.

لكن الغريب في الأمر أنني كلما دفعت الثمن

كنت أشعر أنني أقترب من نفسي أكثر

كأن الأرواح لا تُبنى إلا بما نخسره من أجلها.

وفي لحظة ما ، بعد سنوات من السير في الاتجاه ذاته

أدركت أن قول “لا” لم يكن موقفاً عابراً

كان بداية ولادة جديدة.

ولادة رجل لا يفاوض على حقيقته

ولا يختبئ خلف قناع يرضي الجميع.

ومع الوقت ، صرت أرى الثمن بطريقة مختلفة

لم يعد ألماً ، بل صار علامة.

كانت العلامة الأولى تقول : هذا أنا.

وكانت العلامة الثانية تقول : ما زلت واقفاً رغم كل شيء.

المدينة تغيرت

الوجوه التي كانت تهرب من صراحتي بدأت تعود بتردد

وكأنها تفضلني الآن على ما كان مُتوقعاً مني سابقاً.

أما ” مريم ” فقد أصبحت الهمس الذي يرافق كل خطوة

الوميض الذي يظهر كلما تعثرت

والصوت الذي لا يعلو لكنه لا يغيب

كانت تشبه الضمير أكثر مما تشبه أي شيء آخر

ضميراً يبتسم.

وفي النهاية ، حين نظرت إلى الطريق من بدايته

أدركت أن الثمن لم يكن خسارة

كان هوية

كان إعلاناً مكتوباً على جبين رجل قال “لا”

في لحظة كان الجميع فيها ينتظرون أن يقول “نعم”.

ومن يعرفني الآن لا يسأل : لماذا قلتها ؟

بل يسأل : كيف صمدت بعدها ؟

وأبتسم.

لأنني أعرف أن الجواب ليس في الكلمات

بل في الطريق الطويل الذي قطعته

وفي الليل الذي حمل أسراري

وفي امرأة اسمها ” مريم ” كانت تعرف قبل الجميع

أنني لن أرجع عما قلت ، حتى لو دفعت عمري كله ثمناً لها.

طارق غريب – مصر

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى