أخر الأخبار

هذا البيت لم يكن بيتا كلمات الأديب سامي المصري

هذا البيت لم يكن بيتا

بقلم سامي المصري

 

كانت العاصفة أشبه بجنازة السماء

الرعد يضرب الأرض كنعوش تُغلق

والمطر لا يسقط بل يُدفن في الطين

كانت المرأة تهرب

لا تعرف من ماذا

لكنها تعرف أنها إن توقفت ستموت

رأت البيت فجأة

واقفًا وحده في العراء

لا سور

لا جيران

لا طريق يؤدي إليه

ومع ذلك

عرفته

دون تفكير

دفعت الباب

 

ففتح كأن أحدا كان ينتظرها منذ سنوات

دخلت

وأغلق الباب خلفها من تلقاء نفسه

الصوت لم يكن خشبًا

كان كغطاء تابوت

تنفست بعمق

وقالت بصوت متعب

وأخيرا عدت

خلعت حذاءها

علقت معطفها

وسارت في الممر

 

كانت تعرف عدد الخطوات

مكان الشق في الحائط

حتى الرائحة

رائحة رطوبة

وصدأ

وشيء آخر

رائحة موت قديم

في الصالة

كان الزوج وزوجته جالسين

لا يتحركان

لا يرمشان

 

وجوههما شاحبة كصور جنائزية

قالت المرأة دون أن تنظر إليهما

لماذا تجلسان في الظلام

تحركت عينا الزوج ببطء

وقال بصوت خشن

من أنت

التفتت

 

نظرت إليهما بملل

وقالت

تسألانني في بيتي

وقفت الزوجة فجأة

صرخت

اخرجي

هذا منزلنا

نعيش هنا

نأكل هنا

ننام هنا

ضحكت المرأة

 

لكن الضحكة خرجت مشروخة

كأنها صعدت من تحت الأرض

وقالت

 

أنتم من يجب أن يخرج

بدأت الجدران تتنفس

صوت خربشة

كأن شيئا يحاول الخروج من داخل الحوائط

اقترب الزوج منها

قال بعصبية

اشترينا هذا البيت منذ عشر سنوات

دفنا أمي بأيدينا

وبدأنا حياة جديدة

توقفت المرأة

شهقت

وقالت ببطء

دفنتموها

 

أين

ساد الصمت

ثم أشار الزوج إلى الأرض

أسفل السجادة

انحنت المرأة

رفعت طرف السجادة

فكشفت عن بلاط متشقق

يتنفس

ينبض

 

قالت بصوت مكسور

أنا دُفنت هنا

قبل ثلاثين سنة

في ليلة تشبه هذه

صرخت الزوجة

كفى

أنت مجنونة

 

فجأة

انفتح باب الغرفة الخلفية

ودخل شاب

مبلل

مكسور

عيناه غائرتان

قال بصراخ

من أنتم

ماذا تفعلون فوق قبري

تراجع الجميع

قال الزوج

قبرك

ابتسم الشاب

وأشار حوله

هذا المكان

ليس بيتا

إنه مدفن

كل غرفة حفرة

وكل سرير لحد

بدأت الأرض تهتز

تشقق البلاط

وخرجت أيدٍ سوداء

أصابع متعفنة

تمسك بالأقدام

قال الشاب

أنا مت هنا

 

حين سقط السقف

دفنني البيت

كما دفنكم

تحولت وجوه الجميع

العينان سقطتا

الجلد انسلخ

وبان العظم

المرأة صرخت

نحن عائلة

قال الشاب

نعم

أجيال

 

دفنها نفس المكان

كل من سكن هنا

لم يكن ساكنا

بل ميتا مؤجلا

انهارت الجدران

وانكشف السر

البيت لم يكن فوق الأرض

بل داخل حفرة عملاقة

شواهد قبور كانت الجدران

والسقف غطاء مقبرة

وفي الخارج

مع أول ضوء فجر

لم يكن هناك بيت

فقط

قبر كبير

بلا اسم

لكن في ليالي العواصف

يقولون

إنك إن مررت من هناك

ستسمع أصوات شجار

على بيت

لم يكن يوما بيتا

بل قبرا

يتغذى

على من يظن

أنه ما زال حيا

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى