من يستطيع أن ينافس حليم وبليغ ولماذا يتربعان على قمة الفن العربي رغم الرحيل من سنوات طويلة مضت بقلم سامي المصري

من يستطيع أن ينافس حليم وبليغ ولماذا يتربعان على قمة الفن العربي رغم الرحيل من سنوات طويلة مضت
بقلم سامي المصري
ليس سؤالا عابرا ولا مقارنة عادية بل دهشة حقيقية تتجدد مع كل جيل جديد يستمع لعبد الحليم حافظ وألحان بليغ حمدي فيكتشف أن الزمن لم يستطع أن يزيحهما عن القمة ولم تفلح مئات الأصوات ولا آلاف الألحان في كسر هذه الهيمنة الوجدانية التي فرضاها على الوجدان العربي
من يستطيع أن ينافس حليم وبليغ
ربما حاول كثيرون وربما نجح البعض في تحقيق نجومية عابرة لكن المنافسة هنا ليست في عدد الأغاني ولا في حجم الشهرة ولا في انتشار المنصات بل في القدرة على لمس القلب وصناعة ذاكرة لا تشيخ وأغان تعيش أطول من أصحابها
عبد الحليم حافظ لم يكن مجرد صوت جميل بل كان حالة إنسانية كاملة غنى للحب وكأنه عاش كل قصة بنفسه وغنى للوطن وكأنه يحمل روحه على كفه وغنى للحزن دون صراخ وللفرح دون ابتذال كان يعرف متى يهمس ومتى ينكسر صوته ومتى يصمت ليترك للجملة الموسيقية أن تتكلم كان صادقا والصدق هو العملة النادرة التي لا تبور مهما مر الزمن
أما بليغ حمدي فكان ثورة موسيقية تمشي على قدمين لم يتعامل مع اللحن كقالب محفوظ بل ككائن حي يتنفس ويتطور ويغامر أخذ الموسيقى الشرقية من يدها وفتح لها نوافذ على العالم دون أن تفقد هويتها كان جريئا عاشقا للتجريب مؤمنا بأن الفن الحقيقي لا يعرف الخوف ألحانه لم تكن مجرد خلفية للصوت بل شريك أساسي في الحكاية تحكي وتبكي وتضحك وتتمرد
السر الحقيقي في خلود حليم وبليغ أنهما لم يصنعا فنا للاستهلاك السريع بل فنا للإنسان لم يطاردوا الموضة بل صنعوا ما صار هو الموضة نفسها لم يراهنوا على الضجيج بل على الإحساس لذلك كلما تغير الزمن ظلوا ثابتين وكلما تسارعت الإيقاعات بدا فنهم أكثر عمقا وهدوءا وقدرة على البقاء
اليوم في عصر الأغنية السريعة والعمر القصير يعود الشباب إلى عبد الحليم وبليغ ليس بدافع الحنين فقط بل بحثا عن معنى يسمعون أغاني كتبت ولحنت منذ نصف قرن فيشعرون أنها تتحدث عنهم عن وجعهم عن أحلامهم عن أوطانهم وهذه هي المعجزة التي لا تتكرر كثيرا في تاريخ الفن
حليم وبليغ لم يرحلا فعليا الرحيل كان جسدا فقط أما الحضور فباق في كل بيت عربي وفي كل قصة حب وفي كل لحظة شجن وفي كل ذكرى وطنية صادقة يتربعان على القمة لأن القمة صممت على مقاسهما ولأن الفن عندما يكون حقيقيا لا يعترف بالتقويم ولا يخضع لقانون الزمن
من يستطيع أن ينافس حليم وبليغ
الإجابة المؤلمة والجميلة في آن واحد لا أحد
ليس لأن الساحة خالية من المواهب بل لأن حليم وبليغ لم يكونا موهبة فقط بل زمنا كاملا من الصدق ومرحلة نادرة من الإبداع وحالة استثنائية يصعب وربما يستحيل تكرارها






