نادية هارون تكتب: السويداء .. تحالف أبناء الأرض والخيارات الصعبة

محمد دياب
في تطور غير مسبوق منذ إندلاع الأزمة السورية، تتجه محافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية، نحو تشكيل تحالفات فعلية مع عشائر جنوب سوريا، في تحوّل يهدد بتغيير معادلة النفوذ والسيطرة في المنطقة، وربما يقود إلى ولادة كيان شبه مستقل عن دمشق لأول مرة منذ أكثر من عقد.
توجه العشائر والقبائل السورية نحو السويداء لإنقاذ أهلها أو لمؤازرتهم في وجه التحديات الأمنية أو السياسية يحمل عدة تأثيرات مهمة ومعقدة على كافة المستويات، هذا التوجه يعزز التضامن الوطني ويكسر الصورة النمطية حول العزلة التي تعيشها السويداء ذات الغالبية الدرزية، يُظهر أن مصير السويداء ليس معزولاً عن باقي سوريا، وأن ما يصيبها قد يثير تعاطفاً ودعماً من مكونات مختلفة (بدو، عشائر، قبائل سنية…)، كما يُعد رسالة قوية للنظام السوري مفادها أن “السويداء ليست وحدها، وأن دعم النظام الضعيف لها قد يُفهم على أنه تخلي عن السوريين عموماً”.
جذور المشكلة مع كل من الأسد الأب والابن، فكان منهجهما حماية الأقلية مقابل الولاء، أما الرئيس الحالي أحمد الشرع، فقد تبنى سياسة “الدولة السنية” من باب المزايدة السياسية، وليس الإصلاح الحقيقي، هذا التحوّل جعل الأقليات يشعرون أن النظام الذي استخدمهم سابقًا، أصبح الآن يتخلى عنهم، بل ويشيطنهم أحيانًا، فالعشائر التي عانت من الإقصاء والتهميش، باتت تنظر إلى التجربة الدرزية في السويداء – والتي أخرجت المخابرات وحافظت على طابعها المحلي – كنموذج يمكن احتذاؤه في إدارة مناطقها، ولو جزئياً، بالمقابل يرى دروز السويداء أن تحصين الجبهة الشرقية والجنوبية لا يمكن أن يتم إلا بالتنسيق مع محيطهم العشائري السنّي.
يشير مراقبون ميدانيون إلى أن هذا التقارب بين مكونات كانت تاريخياً متباعدة، ليس مجرد حالة تضامن عابرة، بل هو مشهد يعكس عمق الأزمة السورية وفي الوقت نفسه يفتح باب الأمل أمام سيناريو جديد أكثر توازناً، السيناريو الذي تلعب فيه المكونات المحلية دوراً محورياً في حماية ذاتها، وفي رسم مستقبل مختلف لسوريا، بل جاء نتيجة تراكم مشترك للخذلان من النظام، ورفضٍ واضح للانخراط في أية مشاريع تعيد إنتاج الحرب الطائفية.
وأيا كان من يقف وراء هذه الأحداث سواء الفصائل المحلية الحكومة السورية أو دولاً إقليمية، أو إسرائيل التي قصفت مواقع عسكرية في دمشق والسويداء بحجة حماية المجتمع الدرزي وعبور ضباطًا دروزًا من داخل إسرائيل الحدود للدعم “وفق ما أشارت بعض التقارير”، أتوقع أن تكون الهدنة هشّة وأن استمرار وقف إطلاق النار سيكون شكليًا، وأن التوتر قد يعود بسبب انتقام أو غياب الثقة، واحتمال تصعيد إسرائيلي وربما محاولة إنتقال السويداء نحو حكم محلي مستقل، خاصةً إذا فشلت دمشق في العودة للمحافظة، فقد تشهد السويداء مزيدًا من النزاعات.
التخوف الآن من حدوث انفجار مفتوح، فدخول ميليشيات شيعية (مثل فاطميون أو لواء أبو الفضل العباس) إلى ريف السويداء أو الحدود الشرقية، ووقوع اشتباكات واسعة بين قوات النظام والميليشيات من جهة، والعشائر والدروز من جهة أخرى، ينتج عنها مذبحة أو نزوح جماعي من القرى الحدودية، خاصة وقد نزح أكثر من 80 ألف شخص خلال الأيام الماضية، وقد نرى تدخل عسكري إسرائيلي.
المطلوب، رصد مصداقية الالتزامات الحالية، هل هي “هدنة” أم انسحاب فعلي للدولة؟ هل يستطيع مجلس السويداء الدروز وحلفاؤه الحفاظ على الأمن وتقديم الخدمات؟ دور دول مثل إسرائيل، والولايات المتحدة، وتركيا مستمر في تقرير مصير الوضع، الوقت القادم حاسم، إذا لم تتقدم حلول سياسية اقتصادية، فإن السويداء ستبقى أمام خيارات صعبة.
إن الجنوب السوري يتجه تدريجياً نحو صيغة إدارة ذاتية غير معلنة، تقوم على تعاون أهلي بين العشائر والدروز، للحفاظ على الأمن، إن استمر هذا المسار، فسنكون أمام ولادة كيان سياسي وأمني جديد، يتخطى الطائفية، ويعيد رسم ملامح الخريطة السورية من الجنوب، بعيدًا عن المركز.
في النهاية، ما يجري في الجنوب السوري ليس مجرد تنسيق أمني عابر، بل بداية نادرة لتحالف بين أبناء الأرض، يصنعه الغياب الكامل للثقة في النظام، وقد تكون السويداء والعشائر معًا، من يصنع أول حجر في بناء ما بعد الأسد.






