الذكاء الاصطناعي في الطب العربي.. حين تُصبح الخوارزميات نبضًا للحياة

بقلم: احمد الحسينى

 

لم تعد المستشفيات كما كانت؛ تلك الممرّات البيضاء التي تعجُّ بالأطباء والممرضين فقط، بل دخلها الآن زائرٌ جديد لا يرتدي معطفًا ولا يسمع أنين المريض، لكنه يعرف نبضه من الأرقام… إنه الذكاء الاصطناعي، القادم ليغيّر وجه الطبّ في مصر والعالم العربي.

في السنوات الأخيرة، تحوّل الذكاء الاصطناعي من فكرةٍ في أوراق الباحثين إلى واقعٍ في غرف العمليات ووحدات العناية المركزة. لم يعُد الطبيب وحده من يقرأ الأشعة أو يُقدّر احتمالات الشفاء، فإلى جواره تقف خوارزميات تتعلّم من ملايين الصور والتحاليل لتكشف ما قد تخطئ فيه العين البشرية.

في مصر، بدأت ملامح هذا التحوّل تظهر بوضوح؛ فالسوق المحلي لتقنيات الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية يُقدّر بنحو ثلاثين مليون دولار عام 2024، مع توقّع نموٍ سنوي يتجاوز 25% خلال الأعوام الخمسة المقبلة. هذه الأرقام المتواضعة مقارنة بالعالم الغربي تحمل في طياتها وعدًا بمستقبلٍ واعد، إذ يُنتظر أن تتحول مصر إلى مركزٍ إقليمي لتطوير الحلول الذكية في مجالات التشخيص عن بُعد، وإدارة المستشفيات، وتحليل البيانات الحيوية.

أما في العالم العربي، فقد تجاوزت قيمة سوق الصحة الرقمية حاجز 5.9 مليارات دولار عام 2024،

وتُشير تقارير السوق إلى أن استثمارات الذكاء الاصطناعي في القطاع الطبي مرشّحة لتصل إلى 1.8 مليار دولار بحلول 2029، وهو نموٌّ غير مسبوق في تاريخ الرعاية الصحية بالمنطقة.

________________________________________

بين نبض الإنسان وحسابات الآلة

لكنّ القصة ليست مجرد أرقام.

فحين نتأمل صورة مريض في أحد مستشفيات القاهرة أو الرياض أو عمّان، تُراقب حالته أجهزة تقيس العلامات الحيوية على مدار الساعة — معدل ضربات القلب، ضغط الدم، تشبع الأكسجين، الحرارة، معدل التنفس — وتُرسلها إلى نظامٍ ذكي قادر على التنبؤ بتدهور الحالة قبل وقوعها بيومين كاملين.

هذا النوع من الأنظمة خفّض معدلات الوفاة في تجارب دولية بنسبة 35%، وقلّص الحاجة إلى الإنعاش المفاجئ، مما يعني ليس فقط إنقاذ الأرواح، بل أيضًا توفير ملايين الدولارات في كلفة الرعاية.

في مصر، أطلقت بعض المستشفيات الجامعية مبادرات لاستخدام الذكاء الاصطناعي في قراءة صور الأشعة وتحليل بيانات المختبرات، لتسريع التشخيص وخفض الأخطاء البشرية. في الخليج، بدأت مشاريع لربط السجلات الصحية الوطنية بخوارزميات تتنبأ بالأمراض المزمنة وتتابع حالة المرضى عن بُعد.

كل هذا يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي لم يعُد ترفًا علميًا، بل أصبح ضرورة طبية واقتصادية.

________________________________________

أثرٌ اقتصاديٌّ يتجاوز الجدران البيضاء

حين تقل مدة مكوث المريض في المستشفى بفضل التنبؤ المبكر، تُوفَّر الأسرة، ويقلّ الضغط على الطواقم الطبية، وتنخفض التكلفة التشغيلية.

تجربة أسترالية أثبتت أن خوارزمية واحدة لتوقّع مواعيد خروج المرضى قلّلت مدّة الإقامة بنسبة 6.5%، ووفّرت نحو 10 ملايين دولار سنويًا لمرفقٍ طبي واحد.

فكيف سيكون الأمر إذا طبّقت مستشفيات مصر الكبرى مثل هذه الأنظمة على نطاقٍ وطني؟

الذكاء الاصطناعي أيضًا يُنشئ اقتصادًا جديدًا داخل الاقتصاد الصحي: شركات ناشئة لتطوير برمجيات طبية، مراكز بيانات متخصّصة، مزوّدو حلول سحابية، ومُصنّعو أجهزة قابلة للارتداء.

كل خطوة نحو الرقمنة تخلق فرصة عمل، وتُنعش سوقًا، وتُضيف إلى الناتج المحلي.

ومع ذلك، فإنّ الإنفاق الصحي في مصر لا يزال عند حدود 4.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعني أنّ الدولة وحدها لا تستطيع تحمّل عبء التحول الكامل، بل يحتاج الأمر إلى شراكاتٍ حقيقية بين القطاعين العام والخاص، وإلى دعمٍ تشريعي يجعل الابتكار ممكنًا دون المساس بخصوصية المواطن.

________________________________________

تحديات لا يمكن تجاهلها

رغم البريق، هناك ظلٌّ طويل يرافق الضوء.

فالذكاء الاصطناعي ليس معصومًا من الخطأ؛ بعض النماذج التي تُدرَّب على بيانات محدودة قد تُصدر تنبؤات خاطئة تُعرّض المرضى للخطر.

التجارب العالمية أثبتت أن بعض خوارزميات التنبؤ فشلت في اكتشاف ما يقارب ثلث الحالات الحرجة في وحدات العناية المركزة.

تضاف إلى ذلك تحديات الخصوصية، فملف المريض الرقمي قد يتحوّل إلى كنزٍ ثمين لمخترقٍ مجهول إن لم تُحكم الضوابط.

كما أن البنية التحتية الرقمية لا تزال غير متكافئة بين العواصم والمناطق الريفية، مما يهدّد بتحوّل «الثورة الرقمية» إلى فجوة صحية جديدة بين الفقراء والأغنياء.

________________________________________

بين الفرصة والمسؤولية

ما بين وعد التقنية ومخاطرها تقف المنطقة على مفترق طريقين:

إما أن تتحوّل إلى نموذجٍ عربيٍّ يحتذى في الرعاية الذكية، أو أن تبقى حبيسة التجارب المنفصلة والمشاريع الاستعراضية.

الطريق إلى النجاح يبدأ من الثقة العلمية والشفافية التنظيمية والتدريب البشري، لا من شراء الأجهزة فقط.

الذكاء الاصطناعي ليس بديلاً عن الطبيب، بل شريكٌ له في السعي نحو شفاءٍ أسرع وحياةٍ أطول.

ومتى ما أدركت مؤسساتنا ذلك، ستصبح الخوارزميات أدواتٍ للرحمة قبل أن تكون أدواتٍ للحساب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى