(الحرب والسلام) د. شيرين شيحه

(الحرب والسلام)
د. شيرين شيحه
هل خُلق الإنسان للحرب أم للسلام؟
الإنسان الذي استخلفه الله في الأرض وخلقه ليعمرها لا ليخرّبها كان يميل في فطرته الأولى إلى الوداعة.. إلى أن يبني بيتًا و يغرس شجرة.. إلى أن يعيش للسلام وبالسلام..
و لكن هل منحته الحياة على الأرض ذلك السلام؟
لقد اضطر الإنسان الأول إلى محاربة الطبيعة والبيئة التي يعيش فيها إما للدفاع عن نفسه ضد كل ما يمثل خطرا عليه وعلى أمنه
أو ليؤمن ما يضمن له استمرار حياته فاضطر لصيد وقتل وذبح كائنات أخرى ليحقق ذلك..
إذن فالإنسان منذ نزل على الأرض يجاهد لينعم بالسلام ولكن عن طريق الحرب..عن طريق الصراع..
الإنسان ذاته يحمل في داخله ذلك الصراع،
صراع بين الخير والشر، بين الخوف والرغبة، بين الغريزة والعقل..
بين صفاته المتناقضة كالطمع والقناعة.. الجبن والشجاعة ،…
صراع بين نوره وظلامه، بين قلبٍ يريد الأمان وعقلٍ يطمح في السيطرة..
وإن نتاجَ طغيان جانبٍ على آخر في طرفي الصراع هو ما يمنح كل إنسان صفاته وسمات شخصيته فيكون كاذبا، صادقا، كريما ، طماعا…. حسبما اقتضت نتيجة حربه الداخلية بين متناقضاته وأيها الفائز في صراع الصفات..
إن الأصل في الوجود هو السلام، بدليل أن التحية التي أمر الله بها عباده هي “السلام عليكم”
وأن اسم الله نفسه “السلام”..
إذن فالحرب ليست غاية في حد ذاتها، بل هي عرض لأمراض قلبية مثل الطمع أو الخوف..
أو ربما وسيلة لإصلاح خلل في ميزان العدل.. وسيلة غير سوية لتبرير الوصول إلى ذلك العدل ، أو لحماية ما يراه الإنسان سلامه الخاص.
أقول :
إن الحرب كانت قدر الإنسان أحيانا، ولكنها كانت اختياره كثيرا؛
كانت اختياره حين ضاق صدره بالحكمة التي خُلق ليبحث عنها ويحملها.. حين عجز عن الفهم فاستبدل الفكرة بالنار، والحديث بالصهيل، والرحمة بالحديد..
أما السلام، فهو الحلم الذي لا يزال يراوده بعد كل معركة يخوضها ضد غيره أو حتى ضد نفسه، لأنه الحنين الغامض إلى الصفاء الأول،.. إلى لحظةٍ لم يكن فيها سوى هو والسماء، يتعلّم منها معنى الطمأنينة..
ربما لم يُخلق الإنسان للحرب ولا للسلام،
ربما خُلق ليبحث عن نفسه بينهما..
ولكن الأكيد انه تعلم كيف يخوض الحرب، لكنه لم يتعلم بعد
كيف يعيش السلام.
د. شيرين شيحه






