تَرَاتِيلُ فَلَّاحٍ وَعُوَاءُ الذِّئَابِ بقلم طارق سري

تَرَاتِيلُ فَلَّاحٍ وَعُوَاءُ الذِّئَابِ
بقلم طارق سري

الترتيلة الأولى: جُذُورُ الأَجْدَادِ تَنْبِضُ فِي الطِّينِ
لم تكن الأرض في “كفر أبو نجم” تُعرَف بحدودها المرسومة بجفاء على خرائط الحكومة، بل بآثار الأقدام التي حفرتها أجيال الفلاحين في ترابها، وبأسماء الرجال الذين أودعوا فيها أعمارهم ثم مضوا، تاركين عظامهم سمادًا لجذور القمح. هناك، في تلك البقعة السمراء من ريف الشرقية في أربعينيات القرن العشرين، لم يكن الطين جمادًا يُداس بالأقدام، بل كائنًا حيًّا يتنفس بعرق الزارعين، ويحفظ همسات الأمهات، ووصايا الآباء، وأنين الغرباء الذين ماتوا وهم يحدقون إلى حقولٍ لم يسمح لهم القدر أن يعودوا إليها.
في ذلك المدى، كان الزمن يمشي على مهل، كفلاحٍ أثقلته السنون، يحمل فوق كتفيه مواسم الجفاف والفيضان، ويعرف أن الأرض لا تمنح خيرها إلا لمن أحبها حتى الفناء. كانت السواقي تدور بصبر كصبر الأنبياء وصوتها يشق صمت الحقول، وتتشابك ظلال النخيل فوق المصارف كأنها أصابع الأجداد تمتد لتحرس ما تركوه لأبنائهم، بينما كانت السنابل تميل مع الريح كما تميل الرؤوس إجلالًا لذاكرة لا تموت.
غير أن الأرض التي تنبت القمح، كانت تنبت كذلك الطامعين. فمنذ عقود طويلة، تمددت الدوائر الأميرية فوق آلاف الأفدنة، وأصبح الإقطاع يفرض سطوته بقوة القوانين الجائرة، لا بقوة الحق. أمراء يقيمون في القصور الفارهة، لا يعرفون لون الطمي بعد المطر، ولا يسمعون صرخة الفلاح حين يلتهم الفيضان محصوله، بينما كان المفتشون والوكلاء يجوبون القرى كأنهم رعاة مملكة من الخوف، يرقبون المحصول بعين الصقر، يقتطعون من أفواه الأطفال ما يشاؤون، ويكتبون مصائر الناس بجرات أقلام لا تعرف الرحمة. كان إيجار الفدان يتراوح بين عشرين وخمسة وثلاثين جنيهًا، لكن الرقم المكتوب لم يكن دائمًا هو الحقيقة، أما الاعتراض فكان ترفًا لا يملكه الجائع. وكان أهل القرية يرددون في ليالي الشتاء مثلًا قديمًا:
“إذا جاع الذئب أكل شاةً… وإذا جاع الإقطاع أكل قرية.”
ولم يكن أحد يجرؤ على زجر الذئاب، لأن الاعتراض كان يعني أن يطرق البوليس بابك قبل الفجر، أو أن تختفي وراء الشمس، لم يبق منك سوى اسمٍ غائب في دعاء الأمهات.
في ذلك الزمن، كان عناني أحمد عواد يسير بين حقوله مطأطئ الرأس، لا خضوعًا، بل إصغاءً إلى حديث الطين. لم يعرف فك مغاليق الحروف في الكتب، لكنه كان يقرأ السماء إذا تغيّر لونها، ويعرف من رائحة الريح إن كانت تحمل المطر أو القحط، ويغرس كفه في التراب كما يغرس المؤمن يده في ماء الوضوء، بخشوع لا يعرفه إلا من أدرك أن للأرض رائحة تشبه قدسية الجذور الأولى الضاربة في قاع التاريخ، وأن من يفرط فيها كمن يقتلع جذوره بيده.
استأجر عناني ثمانية أفدنة من الأرض، بعد أن دفع فيها شقاء عمره مائة وستين جنيهًا كاملة فيما عُرف بـ”خلو الرجل”، وبث روحه في الحقل حتى غدت أفدنته مضرب المثل في الجودة. كان يقول لمن حوله:
“الأرض لا تورث أصحابها الذهب… لكنها تورثهم الأسماء.”
وكان الذين يسمعونه من الفلاحين يبتسمون، دون أن يعلموا أن تلك الكلمات ستصبح بعد سنوات وصيته الأخيرة المكتوبة بالدم.
وفي مساء من مساءات الخريف, بينما كانت الشمس تلملم أذيالها الذهبية وتغيب خلف أشجار الجميز العتيقة، ظهر الشيخ رضوان، أقدم رجال القرية سنًا، يتوكأ على عصاه التي صقلتها عشرات السنين. كان الناس يقولون إنه يحفظ تاريخ كل شبر في كفر نجم، ويعرف أسماء الموتى تحت التراب أكثر مما يعرف أسماء الأحياء فوقه.
وقف الشيخ رضوان طويلًا يتأمل عناني وهو يعزق الأرض بيقين، ثم انحنى الشيخ، وأخذ قبضة من الطين، ورفعها إلى أنفه، قبل أن يقول بصوت خرج عميقاً كأنه آتٍ من أغوار الأرض:
“هذا الطين لا يشبه غيره يا عناني… فيه رائحة رجالٍ لم يبيعوا ظهورهم، ولا أرضهم.”
ساد صمت طويل، لم يقطعه سوى حفيف الشجر. ثم نظر الشيخ إلى عناني نظرة نافذة اخترقت روحه، وقال بلهجة حذرة:
“احفظ قلبك يا ولدي… فالذئاب لا تبدأ بالهجوم على الحقول، بل تبدأ بمن يحرسها.”
لم يفهم الواقفون مراده، وضحك بعض الشبان ظانين أنها هرتلات عجوز، لكن عناني ظل صامتًا، وأحس لأول مرة أن الريح القادمة تحمل شيئًا أثقل من المطر… كأنها تحمل نذيرًا وصدى عواء لا يراه ولا يسمعه إلا الذين تعودوا الإصغاء إلى نبض الأرض.
الترتيلة الثانية: الطِّينُ وَدَنَسُ الذِّئَابِ
ولم يتأخر النذير؛ فقد تغير المفتش المسؤول عن الدائرة الأميرية، وجاء رجل جديد رأى في الأرض غنيمة فرصة، وفي الفلاحين رعايا لا حقوق لهم. استدعى عناني وقال له في لهجة الآمر الذي لا يُرد له قضاء:
– “نريد الأرض يا عناني.. الدائرة بحاجة إليها.”
رفع عناني رأسه، ولم يطأطئه كما اعتاد كثيرون في حضرة الأفندي نظر في عيني ممثل السلطة بهدوء وندية أذهلت المفتش، وأجاب:
– “خذ الأرض… ولكن أعطني المائة والستين جنيهًا التي دفعتها من دم عيالي.”
ساد الصمت أركان المكتب. لم تكن الجملة مجرد مطالبة بالمال، بل كانت إعلانًا متمردًا بأن للفلاح حقًا، وأن جهده ليس هبة يمن بها أحد. خرج عناني وقد أدرك أن الذئاب قد كشرت عن أنيابها، وأن المواجهة قد بدأت.
ولم يتأخر الرد الخشن؛ أُرسل الخفراء إلى الأرض ليخرجوه منها بالقوة. كانوا يتوقعون أن ينحني الرجل، وأن يجمع أدواته ويرحل في صمت الهزيمة، لكنهم وجدوه واقفًا عند حدود الحقل، ممسكًا بعصاه كالطود، وخلفه سنابل القمح التي تعب في زراعتها تموج كجيش يحميه. قال لهم بصوت رعد سمعه القريب والبعيد:
– “سأقابل القوة بالقوة… ولن تمروا إلا على جثتي.”
تبادل الخفراء النظرات وتراجعوا. لم يكن أحدهم يخشى عصا الرجل بقدر ما كان يخشى ما تمثله كلماته من عدوى خطيرة؛ فإذا صدق الناس أن الفلاح يستطيع أن يقول “لا” للأسياد، فقد تتغير شرايين المملكة بأكملها.
الترتيلة الثالثة: قَيْدُ الصُّمُودِ وَحِسَابُ الرُّؤُوسِ
انتشرت القصة في كفرأبو نجم وفي القرى المجاورة. في البداية، رددها الناس همسًا خلف الأبواب المغلقة خوفًا من البصاصين، ثم بدأت تتسلل إلى المقاهي والأسواق. صار الرجال يقولون بكبرياء خفي: “هل سمعتم بما فعله عناني؟”، وكان بعضهم يبتسم كأن شجاعة الرجل أعادت إليهم كرامة سُلبت منهم منذ زمن.
لكن السلطة لا تحب الحكايات التي تمنح الفقراء الشجاعة وتدنس هيبتها. وذات ليلة انشق ظلام القرية عن جند البوليس، وأُلقي القبض على عناني أحمد عواد. لم يُتهم بسرقة، ولم يُتهم بجريمة أخلاقية، وإنما صار خطرًا عامًا لأنه رفض أن يذعن ويسلم طينه للدنس.
رُحل إلى “معتقل الطور” في أقصى الصحراء. هناك، بعيدًا عن الحقول التي أحبها، عاش أيامًا ثقيلة وسط رمال سيناء الحارقة وجدران السجن الباردة. كان يرى وجوه المعتقلين، ويسمع قصصهم، ويكتشف أن القهر شبكة عنكبوتية تجوب البلاد كلها. وحين خرج من المعتقل بعد شهور، لم يعد إلى بيته منكسرًا كما تمنت الذئاب وتوقع البعض، بل فجر قنبلة قضائية حين رفع دعوى ضد الأمير محمد علي نفسه، صاحب الدائرة ورأس الإقطاع.
قال لمن حوله من الخائفين:
– “المفتش والوكيل دلاديل ينفذون الأوامر… أما صاحب الأمر فهو الأمير، والخصومة لا تكون إلا مع الكبار.”
كانت تلك الجرأة في نظر الكثيرين جنونًا، فوُضع اسمه تحت المراقبة الشرطية اللصيقة، وصار مطالبًا بقضاء لياليه في نقطة البوليس. كان يذهب كل مساء، ويجلس تحت ضوء مصباح الكيروسين الخافت يداعب سبحته، ثم يعود إلى بيته عند الفجر. لكن الخوف لم يجد إلى قلبه سبيلًا، وحين كان أهل القرية يسألونه بوجل: “ألا تخشى مما قد يحدث؟”، كان يجيب بإيمان راسخ:
– “الذي يخاف على حقه لا يضيعه وإن فقد الحياة الدنيا
الترتيلة الرابعة: مَأْدَبَةُ الغَدْرِ وَالْعُبُورُ الأَخِيرُ
ومضت الأيام حبلى بالترقب حتى جاء شهر رمضان المبارك. وفي إحدى الليالي الأواخر، ذهب عناني إلى النقطة كعادته. جلس صامتًا، وربما مر بخاطره وجه زوجته وهي تعد السحور، وصورة أطفاله، أو صورة الأرض وهي تستعد لموسم حصاد جديد لتبوح بسرها الخصيب.
وقبل الفجر بقليل، طلب منه معاون النقطة المغادرة على غير العادة وبلهجة مرتبكة. قال عناني متعجبًا:
– “ما زال الوقت مبكرًا ولم يحن موعد الفجر بعد يا فندي.”
فأجابه الشرطي بحدة مصطنعة ليخفي نذالته:
– “نريد تنظيف النقطة فورًا… فهناك تفتيش مفاجئ من المديرية غدًا.”
خرج الرجل إلى عتمة الليل الساكن. وحين خطا خطوات قليلة في الممر المعتم، انشقت الأرض عن عشرة رجال من البلطجية المستأجرين ينتظرونه في الظلام، يحمل كل منهم أداة قتل مختلفة بين فؤوس وبلطات وبنادق. حاول عناني العودة سريعًا إلى النقطة للاحتماء بها، لكن بابها الحديدي الضخم أُغلق في وجهه بصرير حاد وتعمّد نذل من الداخل.
في تلك اللحظة، أدرك الفلاح أن الذئاب قد أحكمت طوقها، وأنه واجف أمام مصيره المحتوم. لم يستجدِ ولم يصرخ، بل قبّض على عصاه وقاوم بما استطاع من عزم الليث. غير أن الشجاعة العارية لا تكفي دائمًا أمام رصاص الغدر وحد الفؤوس. سقط عناني أحمد عواد مضرجًا بدمه الزكي، وحمل جسده الطاهر آثار فأس وبلطة ورصاصة غدر، لتصعد روحه إلى بارئها ويبقى الطين غارقًا في دمه، ذلك الطين الذي داسته الذئاب بأقدامها الخسيسة دون أن تنال من عزة ونقاء صاحبه.
الترتيلة الخامسة: الأُغْنِيَةُ الظَّالِمَةُ وَالصَّخْرَةُ الحَيَّةُ
وما إن سقط الطود، وانقطع صوت عناني الهادر إلى الأبد، حتى بادرت الذئاب إلى استغلال هذا الصمت الموحش؛ فما كان للقتلة أن يتركوا دمه يتحدث بالكرامة. سارعت الذئاب إلى إطلاق ثعالبها في كل حدب وصوب، ينبشون الذاكرة الشعبية بالزيف، وينشرون في أرجاء البلاد رواية ممسوخة تزعم أن عواد قد قبض ثمن أرضه أضعافًا مضاعفة، وأنه كان ينوي هجر الريف ليعيش حياة البذخ والترف في قصور البندر، حيث تنمحي هناك تشققات يديه وقدميه التي حفرها الطين جراء الكدح والشقاء. وهكذا، حكايةٌ أكذوبية روّجها البغاة، فانتشرت من جيلٍ إلى جيل
ومضت السنوات، وتبدلت الأنظمة، وسقطت تيجان الملوك، وقامت ثورات غيرت وجه المجتمع. وفي ستينيات القرن الماضي، استلهم كاتب الأوبريت الشهير كلماته من تلك الفرية التي أُشيعت عن الفلاح الصامد، فصدح الراديو بنغمة حزينة وظالمة حُفرت في الوجدان الجمعي: “عواد باع أرضه يا ولاد.. شوفوا طوله وعرضه يا ولاد”. حفظ المصريون الكلمات ورددوها في الأفراح والمناسبات، وصار “عواد” في الشارع مرادفًا للخنوع، والتفريط في العِرض والأرض نزولًا عند الهوى والنزوات.
غير أن أهل “كفرأبو نجم” ومن عاصروه من الفلاحين كانوا يحرسون رواية أخرى؛ رواية الدم والطهر. كانوا يجلسون في المضافات، ويصححون التاريخ لأبنائهم وأحفادهم بأصوات تفيض بالأسى والكبرياء:
– “عواد الحقيقي ما باعش أرضه واشترى بها دهب… عواد مات واندفن تحت ترابها علشان ما تتباعش للأسياد.”
اختلطت الحكايات مع الزمن، ووجدت الذاكرة الشعبية في قصة عناني مرآة يرى فيها كل جيل صورته في صراعه الأبدي بين السلطة والفرد، وبين الحق والدنس.
لم يُقم لعناني أحمد عواد تمثال في الميادين الكبرى، ولا يحمل اسمه شارع فاره، لكن تمثاله الحقيقي محفور في صدر كل حر، وفي حكايات العجائز بالشرقية الذين يروون قصته للأحفاد لئلا تبتلعها الأيام. يقولون لهم بملء الفيه: “تذكروا أن رجلًا بسيطًا وقف يومًا بأيدٍ عارية في وجه الذئاب التي ظنت نفسها أكبر من الحق والقانون، وقال: لن تمروا إلا على جثتي، ومضى شهيدًا”.. ليبقى سؤاله الخالد حيًا في الطين: كم يساوي الإنسان إذا فقد أرضه؟
اليوم، حين يتردد صوت الأغنية القديمة من المذياع: “عواد باع أرضه”، يتوقف أبناء الشرقية لبرهة، ويبتسمون في كبرياء يشوبه الشجن، ثم يصححون صك التاريخ:
“ليس كل عوادٍ باع أرضه وفَرط.. فمنهم من دافع عن طينه حتى داسته الذئاب، فصعدت روحه وبقيت الأرض حرة شاهدة على الطهر والشهادة.”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى