أخر الأخبار

اتوبيس الحكايات بقلم عبير الزلفى 

اتوبيس الحكايات

بقلم عبير الزلفى

لكل راكب حكاية…

منهم من يحكي مع زوجته ليقنعها أن الشبكة ضعيفة، وأنه لم يتأخر في إرسال المال، وهي لا تسمع إلا صوت الغضب في كلماته، فيصرخ هو أكثر كأنه يصرخ في وجه الدنيا كلها.

ومنهم من يحكي عن مديره الذي لا يعطيه حقه، يراه يرفع من لا يستحق ويُهمل من يتعب، يضحك وهو يحكي، لكن في عينيه مرارة عمر من الظلم.

وفي المقعد الأخير، شاب صامت، ينظر من النافذة بعين غارقة في التفكير… لا أحد يعلم أنه فقد اليوم فرصة عمل كان يحلم بها، ولا أحد يسمع أنينه المكتوم بين ضجيج المحرك.

وسيدة عجوز تضم كيس الخبز إلى صدرها كأنه كنز، تهمس لنفسها: “الحمد لله”، رغم التعب والبرد.

أما السائق، فيبدو أنه يحفظ كل الطرق والوجوه، لكنه لا يحفظ لنفسه راحةً ولا يوماً خالياً من الصراخ والزحام.

وفي المنتصف، فتاة شابة تمسك بهاتفها، تبتسم كلما وصلتها رسالة، ثم تنطفئ ملامحها فجأة… مسحت الدموع سريعاً حتى لا يلاحظها أحد، وكأنها تحاول إقناع نفسها أن الرسالة الأخيرة لم تكن وداعاً.

ورجل خمسيني يرتدي بدلة قديمة، يراجع أوراقه بارتباك، كأنه يراجع مصيره… اليوم آخر موعد لدفع الإيجار، وليس معه إلا نصف المبلغ، يخاف من صوت الهاتف أكثر مما يخاف من ضياع بيته.

وفي زاوية الأتوبيس، أمٌّ تحمل طفلها النائم على كتفها، تحاول أن تثبّته كلما اهتز الطريق… تتأمل وجهه بعيون مرهقة، وتهمس: “يارب أوفرله حياة أحسن من حياتي.

أما الشاب الذي يجلس بجوار الباب، يضحك مع أصدقائه بصوتٍ عالٍ، يخفي خلف ضحكته خبر وفاة أبيه منذ أسبوع، لكنه لا يريد أن ينهار أمام أحد.

ووسط كل هذا الزحام، تمر لحظة صمت قصيرة… صوت المحرك وحده يملأ الفراغ، وكل قلبٍ في الأتوبيس يسافر في طريقٍ مختلف، لكنهم جميعاً يجلسون في نفس الاتجاه، متجهين نحو غدٍ لا يعلم أحدٌ كيف سيكون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى