أم كلثوم سيدة العطاء قبل أن تكون كوكب الشرق حين يخطئ الفن في حق تاريخه بقلم سامي المصري

أم كلثوم سيدة العطاء قبل أن تكون كوكب الشرق
حين يخطئ الفن في حق تاريخه
بقلم سامي المصري
ليست أم كلثوم مجرد صوت عبر الزمن بل هي ضمير وطن غنى ويد كريمة أعطت وقلب مصري خالص وقف في الصفوف الأولى حين كانت مصر تنزف وتقاوم وتعيد بناء نفسها
لذلك فإن أي محاولة لتشويه صورتها أو اختزال تاريخها في أوصاف من قبيل البخل أو الغناء لسكارى ليست إساءة لفنانة راحلة فحسب بل إهانة مباشرة لذاكرة وطن
أم كلثوم التي يتجرأ البعض اليوم على النيل منها هي نفسها التي سخرت صوتها واسمها وثروتها لدعم المجهود الحربي بعد نكسة عام سبعة وستين
خرجت من قوقعة النجومية الضيقة إلى سعة الواجب الوطني وطافت العواصم العربية من باريس إلى الخرطوم ومن الرباط إلى الكويت تجمع التبرعات وتغني لمصر لا لنفسها وتعود بكل ما جمعته لتضعه في خزينة الدولة دون من أو استعراض
حفلات أم كلثوم في الخارج كانت تدر ملايين الجنيهات تسلم كاملة لدعم الجيش
مجوهراتها الخاصة بيعت لصالح المجهود الحربي
لم تكن تسأل كم سأربح بل كانت تقول ماذا تحتاج مصر
أما اتهامها بالبخل فهو افتراء يسقط أمام شهادات القريب والبعيد
كانت تنفق بسخاء على فرقتها الموسيقية وتؤمن لهم الحياة الكريمة وتساعد المحتاجين في صمت وتفتح بيتها للفقراء قبل الكبار
كانت تعرف قيمة المال وتحترم تعبها وتعب غيرها فاختلط على السطحيين الفرق بين الكرم والفهلوة
أما الادعاء بأنها لا تغني إلا لسكارى فهو كلام لا يصمد أمام التاريخ ولا أمام الجمهور الذي كان يجلس بالساعات في صمت أقرب للخشوع
كانت تغني للوعي وللعقل وللروح وللعمال والفلاحين والطلبة والجنود والأمهات
من كان يسمع الأطلال أو انت عمري أو سيرة الحب كان يدخل حالة إنسانية راقية لا حفلة لهو عابرة
الفن حين ينفصل عن احترام رموزه يتحول إلى عبث
والسينما حين تشوه قامات بحجم أم كلثوم تفقد شرعيتها الأخلاقية قبل الفنية
النقد حق والاختلاف مشروع لكن الكذب ليس رؤية والإساءة ليست إبداعا
أم كلثوم ستبقى
ستبقى لأنها لم تكن مجرد مطربة بل مؤسسة وطنية
ستبقى لأن صوتها عاش مع المدافع كما عاش مع العشاق
ستبقى لأن تاريخها أكبر من أي فيلم وأصدق من أي حوار وأقوى من أي افتراء
رحم الله كوكب الشرق
وسيبقى اسمها محفورا في سطور التاريخ لا يمسه زيف ولا تهزه إساءة عابرة






