أخر الأخبار

(التخلّي)  د.شيرين شيحه 

(التخلّي)

د.شيرين شيحه

نصمت أحيانا كي لا نؤذي ، ونغادر أحيانا كي لا نكسر أو نخسر من أحببناهم..

 

فليس كل حبّ يُقاس بالقرب،

بعضه يُقاس بالشجاعة على الرحيل؛

الرحيل من أجل حماية الآخرين مما قد يؤذيهم.. أو ربما لحمايتهم من أنفسهم.. أو لتظل صورتهم في أذهاننا وقلوبنا كما عهدناها دون أن يجرحها الواقع الذي تغير أو الزمن الذي لابد أن يُغيّر..

قد يتخلّى الإنسان عمّن يحب – لا هروبًا منه ولا خيانة له – ولكن حفاظًا عليه، وهذا من أكثر المواقف الإنسانية ألمًا، لأن جوهر الفعل هنا ليس كما يبدو في ظاهره..

الأدب العالمي التقط هذا التناقض لأنه يمسّ قلب السؤال المحيّر:

هل الحب امتلاك أم حماية ؟

كثير من القصص والروايات حاولت الإجابة عن هذا السؤال بطرق درامية مختلفة ولكن من أكثر القصص التراجيدية عمقًا والتي أثرت في نفسي ولم أنسها منذ شاهدت المعالجة السينمائية لها من سنين طويلة

هو فيلم The Age of Innocence (عصر البراءة)

إخراج مارتن سكورسيزي – إنتاج 1993

والمقتبس من رواية إديث وارتون، وخاصة مشهد النهاية؛ فبعد مرور سنوات طويلة، يصل البطل نيو لاند آرتشر (دانيال داي-لويس) إلى باريس، حيث تقيم حبيبته القديمة إيلين أولينسكا (ميشيل فايفر) ،

تطل إيلين من نافذة شقتها، وقد غيّرها الزمن، بينما يجلس نيو لاند على مقعد مقابل المبنى.

يرفع رأسه.. فتتقاطع صورتها الحالية مع مشاهد قديمة لما حفظته ذاكرته من صورتها.. ثم يقرر ألا يصعد، وألا يراها، ويغادر مكتفيًا بالذكرى، احترامًا للماضي وما تبقى من قدسيته

لأنه أدرك أن رؤيتها الآن ستُفسد صورتها كما حفظها قلبه؛

فالذاكرة عنده صارت أصدق من الواقع، والحب الذي عاش كاملا في الخيال لن يحتمل مرآة تخالف ما احتفظ به في صدره سنوات وسنوات..

اختار أن يبقيها ذكرى كاملة بدل لقاء ناقص..

 

الحب الحقيقي لا يتمسّك في كل الأحوال ، بل يجب أن ينسحب أحيانا عندما يصبح البقاء أنانيًا ليقول:

سأغيب كي تعيش.. أو تعيش ذكراك أجمل..

التخلّي ليس سهلًا في هذه الحالة؛ بل غالبًا هو أصعب أشكال الحب..

لأن البقاء يُرضي ، أما التخلّي فيصطدم بالغريزة.

البقاء يمنحك وهم الرضا، بينما التخلّي يتركك وحيدًا مع وجعك وأنت ترجو سعادة الآخر من بعيد.

ولهذا لا يُقدم عليه إلا من امتلك وعيا عقليا أعلى من رغبته في البقاء ، وقوة داخلية تفوق حاجته للاحتواء..

التخلّي صعب لأنه يخالف الفطرة التي تميل إلى القرب والتملك..

لا يمنح من يقوم به تعويضًا ولا خلاصا من الألم لأنه

يحمّله وحده ذلك الألم بينما يظن الآخر به الظنون..

ولهذا يختار الكثيرون البقاء المؤذي على التخلّي لأن الألم المشترك أهون من ألمٍ يتحمّله فرد واحد.

التخلي – بهذا المعنى – ليس سهلًا لأنه يُحارب القلب ويكون ضدّه..

وقد يفقد الفاعل سعادته ومعنى حياته بل وحياته ذاتها بالمعنى الحرفي في بعض الحالات من أجل سعادة الآخر..

وكلما كان الحب أصدق، كان الرحيل أثقل..

وكان من يتخلى يتألّم أطول وأعمق..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى