فيروز حين يمتحن الله الكبار بأقصى انواع الألم بقلم سامي المصري

فيروز حين يمتحن الله الكبار بأقصى انواع الألم
بقلم سامي المصري
ليست كل الاحزان متشابهة، فهناك حزن يمر، وحزن يترك اثرًا، وحزن يكتب في ذاكرة التاريخ.
وما اصاب السيدة فيروز ليس مجرد فاجعة، بل امتحان الهي لا يلقى الا على القلوب التي خلقت من صبر ونور. ان تفقد ابناءك الثلاثة، واحدا تلو الاخر، فذلك ليس قدرا عابرا، بل وجع كامل الاركان، لا يقاس بالسنين ولا يواسى بالكلمات.
فيروز، التي علمتنا معنى الصباح، وعلمتنا كيف يكون الحنين اغنية، وكيف يصبح الوطن لحنا، تقف اليوم امام قدر كتب على الانبياء والعظماء.
ام قبل ان تكون اسطورة، وانسانة قبل ان تكون صوتا، تحمل في قلبها جراحا لا ترى، لكنها اعمق من كل ما غنته يوما.
رحيل الابناء ليس خبرا، وليس سطرا في صحيفة، بل زلزال يهز الروح، ويكسر الزمن، ويترك الام واقفة بين الحياة والموت، تتنفس لان عليها ان تتنفس فقط. ومع ذلك، لم نر فيروز يوما منكسرة، لان الانكسار لا يليق بمن وهبت العالم كل هذا الجمال. صمتها اليوم ابلغ من كل الكلمات، وحزنها اصدق من كل المراثي.
فيروز لم تكن يوما فنانة تبحث عن التصفيق، بل روحا اختارها الله لتكون عزاء للناس، فكان قدرها ان تعزى اليوم من قبل امة كاملة. منحتنا الامل، فصارت هي اليوم موضع املنا ان يربط الله على قلبها، كما يربط على قلوب الامهات الصابرات.
لقد غنت للحب، فصار الحب دينا. وغنت للام، فصارت الام قداسة. وغنت للحزن، فصار الحزن انقى. واليوم، وهي في قلب الفقد، تكتب سيرتها الاخيرة لا بالصوت، بل بالصبر، لا باللحن، بل بالرضا.
رسالة الى السيدة فيروز:
نعلم ان التاريخ لا يعزي، وان المجد لا يخفف الالم، لكن اعلمي انك لست وحدك. انت ام كل من بكى على صوتك، واخت كل من احتمى باغنياتك، وذاكرة كل من احب الحياة رغم قسوتها. فقدت ابناءك، لكنك انجبت امة كاملة من المحبين.
رحم الله ابناءك، وجعلهم نورا يسبقك الى الجنة، وربط على قلبك ربطا يليق بمن حملت هذا القدر بصمت العظماء. ستبقين فيروز، الاسم الذي لا ينحني، والصوت الذي لا يموت، والوجع الذي تحول الى خلود.






