أكتب لأبقى إنسانًا لا لأمتلك إجابات

حوار صحفي حر مع الكاتب "يوسف أبو جيش"

 

أكتب لأبقى إنسانًا لا لأمتلك إجابات

بقلم /رقيه فريد

*في هذا الحوار، لا نسعى إلى أجوبة نهائية، بل نقترب من الأسئلة التي تشكّل جوهر تجربت كاتب: وعن العزلة بوصفها وعيًا، والطريق بوصفه قدرًا، والهوية ككائنٍ غير مكتمل، وعن الأمل, ذلك الجواب الذي قد لا نعرفه بعد، لكنه يظلّ ضروريًا كي نستمر في السير.

** يوسف أبو جيش كاتبًا لم يدخل  إلى عالم الكتابة من باب المهنة، ولا يتعامل مع النص بوصفه منصة أو مجدًا شخصيًا. هو فقط يقترب من الكلمة كما يُقترب من الحياة: بتعبٍ سابق، وبمسؤولية لا تطلب التصفيق. ربما يكون تأخر لوقت حتى دخل إلى هذا العالم ولكن هو اراد أن يقدم شيء يستحق أن يكون عمل باقي وقيم يصل بوعى أكثر, فهو يعرف أن الأسواق لا تحتاج كتابًا آخر بقدر ما تحتاج إنسانًا يكتب دون زيف.في عالمٍ اعتاد أرتداء الأقنعة.

**كيف تقدم نفسك إلي جمهورك وما الذى تريده أن يعرفه عنك كأنسان قبل أن تكون كاتب ؟

_أحب أن يعرفوا أنني لا أبحث عن دور ولا عن صوت أعلى من غيره

أريد فقط أن أكون إنسانًا عاديًا  يمرّ على الحياة بانتباه  أتعب من النظر للحروب ومن فكرة أن نكتب للوطن فقط أحب أن أكتب عن الإنسان والمرأة كحياة، والجنس كحقيقة لا كفضيحة أشتاق إلى البساطة،وإلى المخيّم والرصيف. وإلى الضحك بلا سبب، و أيام تعيش نفسها، ولا تطلب أن تُكتب،  أحيانًا لا أرغب في الكتابة

أريد أن أعيش فقط، لكن اللغة لا تتركني.

**يوسف، الكاتب الأردني من أصل فلسطيني، والمقيم بين الأمكنة والأسئلة، لا يرى في الأدب مهنة ولا في النص سلطة، بل مساحة حرّة للاشتباك مع الوجود، ومحاولة يومية لبناء صوت قادر على الوقوف وسط الضجيج دون أن يفقد هشاشته.

***لا يخفي علينا من هو “يوسف عزت أبو جيش” الكاتب والروائي .من مواليد 6/8/1980

يقيم ويعمل بالسعودية ويتنقّل باستمرار بينها وبين، والأردن.  أنهى دراسته الثانوية العامة، ثم اتجه إلى الدورات المتخصصة.

أيضاً هو أحد الأعضاء لدى رابطة الكتّاب الأردنيين.

والمنتدى العربي الناصري الديمقراطي في عمّان

وجمعية مناهضة الصهيونية

ومنتدى الشباب العربي للتواصل في بيروت

والندوة الفكرية الشبابية في بيروت  ومنتدى العدالة لأجل فلسطين.  كما عمل سابقًا في اتحاد المرأة الأردنية.    وفي أزبكية عمّان للقراءة. وفي مؤسسة عكاظ   للتدقيق اللغوي.    كما كان صاحب مكتبة كنعان لسنوات..

*من أعمالة الادابية*

صدر له عام 2024 “رواية ظِلّ الطريق ” بالاردن

وفي عام 2025 صدر له كتاب “مرآة العزلة” بالسعودية،                       وهو كتاب يضم نصوصًا كُتبت على امتداد سنوات بين 2016 عام، وحتى 2020عام

** يصرّ “يوسف” على أن تكون الكتابة امتدادًا للحياة ومواجهة للحقيقة لا ساترًا لها؛ أن يكون  النص انحيازًا للإنسان قبل أي فكرة، وترميمًا للروح لا استعراضًا للبلاغة. وأن يجد القارئ ذاته بين السطور .

** تقول إن الكتابة ليست مهنة بل محاولة يومية لفهم العالم..  فهل يمكن للكاتب أن يفهم العالم فعلًا…؟

أم أن الكتابة اعتراف دائم بالعجز عن فهمه….؟

-لا يمكن لأي  كاتب أن يفهم العالم بمعناه الكامل.                              ولو حدث ذلك لتوقفت الكتابة،  الكتابة هي محاولة متكررة لترتيب الفوضى وليس لشرحها، وهي أيضا  اعتراف بأن  العالم أكبر من قدرتنا  على الفهم.. وأن أقصى ما نستطيع فعله أن نمنحه لغه أقل قسوة.. ونمنح أنفسنا سببًا للاستمرار.

**هل تكتب لتنقذ المعنى من التآكل… أم لتوثق إنهياره..؟

-أكتب لأنني أؤمن أن وظيفة           الكاتب هي التغيير.                          لكن ليس التغيير المباشرأو السريع. أغير حين أسمّي الأشياء بأسمائها..   حين أُربك المألوف

وحين أُعيد طرح السؤال في مكان اعتقدنا أنه أُغلق.لا أكتب  لأغير العالم دفعة واحدة.  لكنني أكتب لأغير زاوية. النظر إليه. وهذا في حد ذاته بداية التغيير.

**متى يشعر الكاتب أن النص  قال ما يريد؟ وهل الصمت أحيانًا أصدق من الكتابة..؟

-يشعر الكاتب أن النص قال ما يريد عندما يتوقف عن  مطاردته. حين لا يعود بحاجة لتفسيره أو الدفاع عنه.

**كونك تثق بالأسئلة أكثر من الإجابات. فهل ترى أن السؤال عندك شكل من أشكال النجاة..؟

-نعم فالسؤل عندي شكل               من أشكال النجاه.                        والإجابة قد تمنح راحة مؤقتة.         لكن السؤال يبقيني حيًا منتبهًا.    وأقل قابلية للتصالح مع الزيف.

أسأل كي لا أتجمد.  وكي                  لا أتحول إلى يقين سهل السؤال لا ينقذني من العالم لكنه ينقذني من التجمد داخله أيضاً.

**هل اليقين في رأيك نهاية      التفكير أم بداية التعصّب..؟

-هذا السؤال ممتاز ويلامس خطورة واقعنا اليوم. اليقين حين يستقر طويلًا   يتحوّل من طمأنينة إلى خطر. هو قد يوقف التفكير. ويمنح صاحبه شعورًا زائفًا بالأمان. ثم يبدأ في إقصاء كل ما لا يشبهه.  أنا لا أخاف من الشك. أخاف من يقين لا يُراجع نفسه. اليقين الذي  لا يقبل السؤال. غالبًا ما يكون الخطوة الأولى. نحو التعصب.                التفكير الحقيقي يحتاج. مسافة مفتوحة. لا نقطة نهاية ثابتة.

*”يوسف أبو جيش” الكتاب الذي يحمل داخله حزنا عميق أثر أشياء  لم تكتمل وأماكن غادرها ولم تغادره وأسئلة بلا أجوبة كبرت مبكرًا، ووعيٍ أدرك قسوة العالم قبل أن يتعلّم المساومة. *يحمل في داخله جغرافيتين : وطنًا انتمة له وتابع  من نزف دمه على الشاشات. ووطنًا يعيش معه عالقة ملتبسة تحتاج تبري أردائهما. ووعي مبكر بأن العالم أقسى مما ينبغي..

**كونك أردنيًا من أصل فلسطيني وتتنقّل بين أمكنة متعددة… هل الهوية عندك مكان، أم ذاكرة، أم سؤال لا يستقر..؟

-الهوية عندي ليست قناعًا أبدّله ولا موقفًا يتغيّر حسب المكان.. هي ذاكرة حيّة، وسؤال مفتوح، لا شيء فيه ثابت إلا الجوهر أحملها معي أينما ذهبت، وتتبدل ملامحها لا قيمها، تتغيّر لغتها، لا معناها، كما قال محمود درويش: “” الهوية ما نورث لا ما نرث”” ما يتغيّر هو طريقة التعبير.  لا الانتماء، وما يتحرّك هو الوعي، لا الجذور.. الهوية عندي علاقة مستمرة، وليست بطاقة تعريف وتبقى مفتوحة على السؤال،  لا على التلوّن…

**هل المنفى جغرافي فقط؟ أم أن الإنسان قد يعيش منفيًا  داخل وطنه..؟

-المنفى ليس جغرافيا فقط , قد تكون في وطنك. وتشعر أنك خارج كل شيء. المنفى الحقيقي , هو أن لا تُرى,أو أن تُجبر على شرح نفسك باستمرار. أحيانًا يكون المكان صحيحًا. لكن العلاقة معه مختلفة. وهنا يبدأ المنفى الداخلي.

*بين ظِلّ الطريق ومرآة العزلة، تتشكّل كتابة لا تبحث عن الخلاص، بل عن الفهم؛ فهم الإنسان وهو يواجه ذاته، والعالم وهو يتآكل تحت وطأة الفوضى والأسئلة المؤجَّلة.

**مرآة العزلة توحي بأن العزلة ليست غياب الآخر بل مواجهة  الذات هل العزلة عندك. أختيار واعٍ أم قدر يفرضه  عليك الوعي..؟

-العزلة عندي ليست قرارًا رومانسيًا ولا انسحابًا من العالم. هي نتيجة طبيعية لوعي لا يستطيع أن يتظاهر طويلًا. أحيانًا أختارها وأحيانًا تفرض. نفسها لكن في الحالتين هي مواجهة مع نفسي قبل أي.  شيء آخر.. فالعزلة لا تبعدني عن الناس. بقدر ما تقربني من حقيقتي. وتضعني أمام أسئلة لا يمكن الهروب منها.

**في روايتك ظِل الطريق.نري أن الطريق حاضر كرمز وجودي. فهل الإنسان يسير في طريق يقصده ليصل.؟ أم أن الطريق هو الذي يصنع الإنسان وقت سيره..؟

-أميل إلى أن الطريق هو الذي يصنع الإنسان. نحن نظن أننا نختار المسار لكن ما نمر به أثناء السير. هو ما يعيد تشكيلنا.. الطريق لا يكشف نفسه في النهاية.. إنما في التعب وفي التردد.. وفي ما نخسره ونحن نمضي. نصل مختلفين عمّا بدأنا وهذا هو أثر الطريق الحقيقي.

**إيمانك بأن الله محبة وأنك تحاول فهم الله لا قتلاً بأسمه.                  فهل المشكلة في الإيمان                  أم في تأويل البشر له..؟

-المشكلة في التأويل لا في الإيمان. فالإيمان في جوهره علاقة , لا سلاح. حين يتحول إلى أداة قمع يفقد روحه. ويفقد الإنسان ,أحاول أن أفهم الله. لا أن أتكلم بأسمه. ولا أن أختصره في حكم أو عقاب. الله محبة وما عدا ذلك . تأويل بشري قابل للخطأ.

**كرهك للحرب والطائفية والرأسمالية يبدو أخلاقيًا أكثر منه سياسيًا.. هل تشعر أن العالم الحديث يربح كثيرًا لكنه يفقد إنسانيته..؟

-نعم العالم يربح الأرقام ويخسر الإنسان. الحرب تُدار.. والطائفية تُستثمر.. والرأسمالية تبتلع كل شيءما يُفقد ليس الأرض فقط بل الحس …. والتعاطف. وقدرتنا على رؤية الآخر كإنسان.

**من خلال حبك للسفر وأنك تراه كنافذة للاطلاع والخروج من ضيق إلى رحب. فهل الفهم الحقيقي يحتاج مسافة ,أم انغماسًا أعمق..؟

-أحتاج الاثنين، لكن في لحظات مختلفة:

1-المسافة تمنحني وضوحًا. وتكسر الألفة التي تُعمي

2-والانغماس يمنحني الصدق.ويمنعني من التفرّج من بعيد. أسافر لأرى نفسي أوضح وأعود لأفهم أكثر. السفر ليس هروبًا بل إعادة ترتيب للرؤية.

**هل تخاف أن تتحوّل الكتابة الملتزمة إلى يقين. بينما الإبداع بطبيعته منطقة شك..؟

-نعم أخاف من ذلك , لأن اليقين حين يدخل النص يغلقه. فالكتابة الملتزمة تصبح خطرًا حين تعتقد أنها تمتلك الحقيقة.  أما الإبداع فيعيش في الشك وفي المساحة الرمادية. أحلم أن يقود الأدب السياسة وليس العكس , بأن تقود السياسة الأدب. لأن الأدب      حين لا يُقاد يظل قادرًا على طرح الأسئلة.  وهذا في حد ذاته أصدق أشكال الإلتزام.

**من منظور حبك  للقهوة والفستق والتفاصيل صغيرة. هل هي احتياج أحيانًا للتشبث بالأشياء.. حتى لا نضيع داخل المساحات الكبيرة من الصور حولنا..؟

_نعم التفاصيل الصغيرة. تشدّني إلى الأرض. القهوة والفستق. لحظات توازن. وتذكير بأن الحياة  لا تُختصر في العناوين الكبيرة..

**حين تكتب عن المرأة والجنس بوصفهما حياة لا رموزًا  هل المشكلة في الموضوع. أم في خوف المجتمع من الصدق..؟

-الجنس غريزة و كذاب من يهرب من ذلك و على الكاتب لا يكتبها اغراء لكن كان المشهد الروائي يتطلب مشهد جنسي صريح يخدم الرواية

**حبك للزقاق ووجبة الأب تحضران  كبوصلة لديك. فإلى أي حدّ تصنع الذاكرة نظامنا الداخلي حين يختلّ العالم..؟

-حين يختلّ العالم ,أعود إلى الزقاق , وإلى وجبة الأب.لابد أن ترجع  للبوصلة بشرط أن يكون الأب قد أسسس لحوار معك سابقا..هذه التفاصيل الصغيرة , تعيد ضبط الإيقاع, وتمنحني إحساسًا بأن شيئًا ما ما زال ثابتًا. حتى لو تغيّر كل شيء حولى .

**ما السؤال الذي ما زال الأدب عاجزًا عن الإجابة عنه..؟

-كيف نحيا دون أن نفقد إنسانيتنا. في عالم يتقن القسوة…؟  فهذا السؤال ما زال مفتوحًا وربما يجب أن يبقى كذلك..

*الكاتب “يوسف أبو جيش “حضورُه الثقافي والفكري لا ينفصل عن نصّه، لكنه لا يقيّده؛ إذ يظل الإبداع عنده منطقة شكّ، لا بيانًا ولا يقينًا.

**أنت منخرط في منتديات فكرية وقضايا إنسانية. فكيف توازن بين الالتزام الفكري وحرية النص الإبداعي..؟

-كنت أكتب في السياسة كثيرًا لكنني جمّدت الكتابة السياسية بنسبة كبيرة. ليس تراجعًا بل وعيًا متأخرًا. أدركت أن تأثير الأدب أعمق وأبقى.. وأن الكتابة السياسية غالبًا ما تتلوث باللحظة..       بينما الأدب يملك قدرة أعلى . على النجاة.  السياسة تحتاج موقفًا مباشرًا.

-أما الأدب فيحتاج مسافة. ولهذا حاولت في رواية ظِل الطريق ألا تكون رواية سياسية. بل رواية أدبيةحتى حين يمر الواقع السياسي..  في بعض المشاهد جعلته جزءًا من السرد.. لا خطابًا … ولا شعارًا

-أنا منخرط  فكريًا وفلسفيًا في قضايا وأمكنة كثيرة. أحاول أن  أفهم أكثر مما أحاول أن أُعلن موقفًا -هذا الانخراط لا أضعه في مقدمة النص. ولا أتعامل معه كرسالة مباشرة لكنه يظهر كخلفية. كظل…. وكطريقة نظر. حين أكتب تظهر الفلسفة والفكرة دون قصد الاستعراض. تظهر لأنني أرى العالم من هذه الزاوية.  لا لأنني أريد إقناع القارئ بها.  أوازن بين الالتزام والحرية. بأن أترك الإنسان في قلب النص لا الفكرة.

-وأؤمن أن الأدب حين يبقى حرًا يصل أبعد مما تصل إليه السياسة.

**شهدت أعمال الكتاب.            “يوسف أبو جيش ” فعاليات          توقيع في معرض الرباط الدولي للكتاب لعام2025 بالمغرب، وايضا معرض عمّان الاردنى الدولي للكتاب م2052.كما شارك بنصوص ومقالات كثيرة بالصحف الأردنية ومواقع عربية، فهو في تواصل مستمر ونشاط ثقافي وفكري بالندوات والأمسيات.

من أقول الكاتب المبدع.            “يوسف ابو جيش:

“ملامحي لا تحزن هي فقط لا تتصالح مع الزيف و مع عالم لا يشبهني”

” يوسف الكاتب هو الذي يكتب ليبقى واقفا ويوسف الإنسان هو الذي يتعب قبل أن يكتب لا فصل حقيقي بينهما”

“الكتابة عندي امتداد للحياة لا قناع لها”

**في نهاية هذا الحوار،أقول أن الكاتب” يوسف أبو جيش ” بوصفه كاتبًا قدّم موقفًا، بل إنسانًا تحمّل كلفة أن يقول الحقيقة كما يراها. لا ينتصر ولا ينهزم، لأنه لا يكتب ليقنع، بل ليبقى واقفًا. يثق بالأسئلة أكثر من الإجابات، ويعرف أن التورّط ليس عشقًا مريحًا، بل دخول كامل بلا ضمانات.كتابة يوسف لا تعد بالخلاص، ولا تقترح يقينًا طويل الأمد، لكنها تضع القارئ أمام نفسه، وتذكّره بأن الصدق قد يكون فظًّا أحيانًا، لكنه أكثر إنسانية من الصمت المزيّن. هو لا يراقب من بعيد، ولا يحب من مسافة آمنة، بل يدخل المدن، والوجع، والمرأة، والوطن، والأبجدية، ويدفع الثمن كاملًا.

وتبقى،كتاباته لأنها لا تُكتب لتملأ رفًا، بل لتترك أثرًا يشبه الحياة: ناقصًا، صادقًا، ومفتوحًا على سؤال لا يريد أن يُغلق.

*وأخيراً , أشكر الكتاب والمبدع الراقي الأستاذ “يوسف أبو جيش” لفكره الراقي وللحوار الناضج بكل ما هو عميق ويحمل معاني جميلة للأنسان تحياتى وتقديرى.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى