الصدمه ليست لحظه عابره

الصدمة
بقلم/سميرة حمود
الصدمه ليست لحظه عابره، بل زلزال داخلي يحدث خللا في التفكير وتشتتا في المشاعر، يجعلنا نصمت قهرا، عاجزين عن استيعاب ما حدث. ثم
يتحول هذا الصمت الى بكاء ونواح، وربما بكاء بلا دموع، وهو اقسى انواع البكاء، حين تجف العين ويبقى الالم.
ننزف حين نفقد اعز ما نملك، او نرى من نحب يموت ببطء امام اعيننا ونحن عاجزون عن المساعده. ننكسر حين
تجرح مشاعرنا من اقرب الناس، فتغلق اخر نافذه لهم في قلوبنا، ونضطر للبعد حتى وان كان البعد اذى لهم قبل ان يكون لنا.
نقنع انفسنا ان البعد حمايه لطاقتنا، لكن القلق يظل رفيقنا، لان الحب لا يرحل بالمسافه. نقابل الحب بالقسوه، والحنان بالهجر، والعطاء بالتمرد والجبروت. نمشي بعيدا لا لاننا لا نحب، بل لانهم لم يتركوا لنا بابا نستطيع الدخول منه، او لان طاقتنا استنزفت حتى لم يعد لدينا ما نعطيه.
نبتعد وننزف مع كل خطوه، حتى نبحر في بحر من النزيف الحزين. ثم نصل الى لحظه وعي قاسيه، ندرك فيها اننا لا نستطيع اصلاح نفس لا تعي الاصلاح. وندرك ايضا ان كل نفس قادرة على الادراك متى واجهت نفسها. وهنا افهم دوري الحقيقي، ان دوري ليس الانقاذ الاعمى، بل الوعي والبصيره، حتى وان كنت انزف.
غالبا المريض النفسي لا يدرك ولا يبصر، فيتحول الى وحش يهاجم كل من يحبه، يدمر كل من يريد به الصلاح. لا يرى النيه، ولا يسمع الحقيقه، فيفرض النصح بالقسوه، ويقابل الارشاد بالعداء، ويبرر اذاءه باسم الالم. وحينها لا يصلح معه الضعف ولا الاستعطاف.
لذلك علينا ان نتعامل مع الواقع كما هو، لا كما نتمنى. نظريه الوحش تقول ان ما اخذ بالقوه لا يعود الا بالقوه، والقوه هنا ليست بطشا ولا عنفا، بل قوه عقليه، وعي، ثبات، حدود واضحه، وقرار لا يتراجع. الحكمه ليست الاستسلام، ولا الهروب، بل المساعده الواعيه لمن نحب، مع وقف نزيف قلوبنا وحمايه طاقتنا.
انها معادله قاسيه وصعبه جدا، ان تحب دون ان تُستنزف، وان تساعد دون ان تُسحق، وان تصبر دون ان تنكسر. لكن الله معنا، وما دام الله معنا فلن نضعف.
نحن لا نسقط، بل نتدبر ونعيد ترتيب انفسنا. لا ننكسر، لا نستسلم، لا نعجز، ولا ننحني. سنفعل ما نستطيع، ونترك ما لا نستطيع لله، ونمضي ثابتين، لان كل ضعيف يحتاج لقوي يأخذ بيده، ولا يعقل ان يسند الضعيف ضعيفا مثله. لم يخلقنا الله اقوياء النفس من فراغ، بل لمثل هذه المحن.






