أخر الأخبار

التباينُ سرُّ النَّهضةِ وبوَّابةُ التَّكامُل… بقلم : محمود طه

التباينُ سرُّ النَّهضةِ وبوَّابةُ التَّكامُل.

بقلم الأديب: محمود طه.

✦ أولًا: مقدمة – تباين المنظور وتنوُّع القدرات
مِمَّا لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّ لِكُلِّ شَخْصٍ مَنْظُورًا فِي حَيَاتِهِ يَخْتَلِفُ عَنِ الآخَرِ، حَتَّى نَظْرَتُهُ إِلَى الْحَيَاةِ بِمَا تَحْمِلُهُ مِنْ صُعُوبَاتٍ تَتَنَوَّعُ؛ فَقُدْرَةُ كُلِّ شَخْصٍ عَلَى التَّحَمُّلِ تَتَنَوَّعُ عَنْ غَيْرِهِ. فَهُنَاكَ مَنْ يَسْتَطِيعُ السَّيْرَ فِي الدَّرْبِ، وَهُنَاكَ مَنْ يُحَاوِلُ، وَهُنَاكَ مَنْ مَلَّ وَكَلَّ وَلَمْ يُكْمِلْ سَيْرَهُ فِي الدَّرْبِ.

✦ ثانيًا: سُنَّةُ اللهِ في خلقه
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾؛ فَاللَّهُ سُبْحَانَهُ لَا يُحَمِّلُ نَفْسًا فَوْقَ طَاقَتِهَا، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا فِي دَاخِلِنَا، وَبِمَقْدُورِ النَّفْسِ عَلَى التَّحَمُّلِ.

✦ ثالثًا: التنوع تكاملٌ لا تناقض
فَالتَّنَوُّعُ تَكَامُلٌ وَلَيْسَ تَنَاقُضًا؛ فَفِي التَّنَوُّعِ رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ لِإِعْمَارِ الْكَوْنِ. وَقَدْ يَخْتَلِفُ بَعْضُ الْأَشْخَاصِ فِي الْمُيُولِ وَالِاتِّجَاهَاتِ وَالْآرَاءِ، وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّنَوُّعُ سَبَبًا فِي تَدْمِيرِ الْمُجْتَمَعِ وَإِفْسَادِهِ، بَلْ سَبَبًا فِي إِعْمَارِهِ وَنَهْضَتِهِ.

✦ رابعًا: إدارةُ التنوع والتباين وبناءُ جسر قوي للحوار
إِنَّ الْمُشْكِلَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لَا تَكْمُنُ فِي التَّنَوُّعِ، وَإِنَّمَا فِي إِدَارَتِهِ؛ فَهُوَ مِنَ السُّنَنِ الْكَوْنِيَّةِ، وَلَيْسَ مِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ نَكُونَ ذَوِي فِكْرٍ وَاحِدٍ. إِنَّ هَذَا التَّنَوُّعَ هُوَ الَّذِي يُوَلِّدُ الْحَيَاةَ؛ فَلَوْ تَطَابَقَتِ الْأَفْكَارُ لَتَجَمَّدَ الْكَوْنُ، وَشُلَّتِ الْحَرَكَةُ، وَفَقَدْنَا الْإِرَادَةَ. فَلَا تَجْعَلْ مِنَ التَّنَوُّعِ جِدَارًا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الآخَرِ، بَلِ اجْعَلْهُ جِسْرًا لِلْحِوَارِ وَطَاقَةً لِلإِسْهَامِ فِي تَكَامُلِ الْمُجْتَمَعِ وَتَرَابُطِهِ.

✦ خامسًا: مثال المهن ودلالة التنوع
وَلِنَضْرِبْ مِثَالًا بِالْمِهَنِ: فَهُنَاكَ الطَّبِيبُ، وَالْمُعَلِّمُ، وَالْمُوَظَّفُ، وَالصَّانِعِيُّ، وَعَامِلُ النَّظَافَةِ؛ كُلُّهَا مِهَنٌ مُتَنَوِّعَةٌ. فَهَلْ يُمْكِنُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ إِحْدَاهَا؟ بِالطَّبْعِ لَا. فَلَوْ أَصْبَحَتْ كُلُّهَا مِهْنَةً وَاحِدَةً، لَتَجَمَّدَ الْمُجْتَمَعُ، وَتَعَطَّلَتْ مَصَالِحُهُ، وَشُلَّتْ حَرَكَتُهُ.

✦ سادسًا: خاتمة – دعوةٌ إلى التباين البنَّاء وخلق مجتمع قوي
لِذَلِكَ خُلِقْنَا مُتَنَوِّعِينَ؛ لِيُكْمِلَ كُلُّ فَرْدٍ مَا يَنْقُصُ عِنْدَ الآخَرِ، وَبِهَذَا يَتَحَقَّقُ الرِّبَاطُ الْمَتِينُ الَّذِي يُعَدُّ أَسَاسَ النَّهْضَةِ وَالْإِعْمَارِ.
فَاخْتَلِفُوا لِتَتَكَامَلُوا لَا لِتَتَنَاقَضُوا، وَاخْتَلِفُوا لِتُصْلِحُوا لَا لِتُفْسِدُوا؛ فِي التَّنَوُّعِ تَكَامُلٌ وَقُوَّةٌ، وَهُوَ أَسَاسُ نَهْضَةِ الْمُجْتَمَعِ وَتَقَدُّمِهِ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى